طيلة أيام العيد وأنا أتلقى عشرات الرسائل الهاتفية التي تهنئ بالعيد. رسائل من أحباب وأصحاب وأناس من قريب وآخرين من بعيد، حولتنا وسائل العصر الحديثة في الاتصال إلى قراء صامتين.. تنظر إلى الرسالة الهاتفية وتقرأها صامتاً.. دعاء.. مقطوعة شعرية وكلام مبدع وجميل.
أغلبنا تحول إلى هاتفه، هذا الجهاز الذي يستقر في راحات أيدينا طيلة الوقت، هو خيط اتصالنا وارتباطنا ووتد علاقاتنا، نافذتنا على الفرح والحزن، ومع الوقت؛ ليست هناك حاجة لأن تسعى لمقابلة من تحب وترى حبه لك يرتسم في ملامح وجهه، صارت العين لا تسكن عين من تحب، وانتفى اللقاء الدافئ وكثير من الفرح.
أنت على استعداد دائم وتيقظ تام وانشداد قوي مع هذا الجهاز التقني الصغير، صار كل الأحباب والأصحاب أرقام في جيبك وأنت كذلك تتوزع كرقم في جيوب من يحبونك.
لا يمكن اليوم الاستغناء عن وسيلة حديثة ألغت المسافات وصار التواصل المستمر سمة في إيقاع الحياة، مهم جداً أن تُبقي على اتصالك، لأنك هكذا تشعر أنك موجود ومتفاعل على الدوام بين كل الذين تجمع صورهم وتطبعها على جدران قلبك.. لكنك أصبحت تسمعهم وتقرأ ما يرسلون، وفقدت جنة اللقاء ودفء المصافحة.
رسائل تهاني العيد تفنن فيها الأصحاب هذه المرة، فيها كثير من الشعر، مع أن المرسلين ليسوا شعراء.. منهم من اشترى له تهنئة شعرية من شركات بيع النغمات والمقاطع الموسيقية والغنائية عبر الشبكة الإلكترونية، والبعض يستنسخ ما يرسل إليه ويعيد إرساله، والبعض اعتمد على علمه الواسع ونصع رسالته بالطريقة التي تناسبه.
الأصحاب مبدعون.. لكنهم لا يأتون، لا تراهم.. لا تذهب إليهم.. ولا يذهبون إليك، قل عددهم في الحضور اليومي، وأيضاً في مناسبات كبيرة مثل العيد، يستمر الهاتف.. لا في الرنين، بل في إرسال تنبيهات بقدوم رسائل جديدة، تفتح، تقرأ. كثير من الجمل مكررة. يستقبل هاتفك عشرات، بل مئات الرسائل.. تقرأ الرسائل الأولى، ثم تتعامل مع الأخرى بعجالة، وحينما يزداد عليك انهمارها، تبدأ في الحذف!
