بالتأكيد لن تكون القشة الأخيرة التي ستقصم ظهر البعير، كما يقال. فقرار مجلس النواب الأميركي بشأن مجازر الأرمن على يد تركيا العثمانية وقرار تركيا الأسبوع الماضي استدعاء سفيرها في واشنطن ـ كما هي عادة الدول في التعبير عن استيائها وغضبها ـ سيعقد من جهة موقف تركيا في حلمها بأن تصبح دولة أوروبية 100%، ومحاولة الولايات المتحدة لسحب قدميها من الوحل العراقي أو في مواجهة الجمهورية الإسلامية من جهة أخرى. وهذا (الزعل) التركي الأميركي ليس الأول من نوعه، وبالطبع لن يكون الأخير.
فبين هاتين الحليفتين علاقات شد وجذب متكررة خاصة عندما يتعلق الأمر بشعب التركمان أو تاريخ الأرمن. حيث تتهم تركيا الولايات المتحدة بمساعدة الأكراد على إبادة هذا الشعب ذي الأصول التركية، بينما لم تكف الولايات المتحدة عن العزف الحزين على ناي مجازر الشعب الأرمني.
وقد وصلت الأزمة مستوى متطورا في عام 2004 عندما هدد عبد الله غول وزير الخارجية التركي الولايات المتحدة بوقف دعمها لها في حالة استمرت هذه الأخيرة في هجماتها على تل عفار ذي الغالبية التركمانية. ولم نسمع قط في التاريخ الحديث عن دولة صغرى تهدد دولة عظمى. وهذه جرأة تدل على موقف قوة أمام موقف ضعف لا أكثر.
واليوم تعود الأزمة التركية الأميركية من النقطة التي توقفت عندها آخر مرة، واستدعاء السفير التركي من واشنطن له أكثر من دلالة واحدة. وسبب الأزمة بالطبع ككل مرة إما مسألة حياة أو موت التركمان الذين يعيشون في شمال العراق في الحدود مع تركيا أو اعتبار تركيا مجرمة حرب لإبادتها مئات الآلاف (أو ربما الملايين) من الشعب الأرمني في زمن الإمبراطورية العثمانية. ومع أن قضية مجزرة الأرمن ليست قضية اليوم، بل تعود إلى العهد العثماني، إلا أن أحد الأطراف يبدو أنه يبحث عن سبب لإثارة مشكلة ما لا داعي لها ولا تصب في مصلحته.
فالتاريخ ليس فقط مجزرة الأرمن، فهناك من المجازر التي لا تقل شراسة عن مجزرة الشعب الأرمني أبان العهد العثماني وبين عامي 1915 و1917، ولم نسمع أن أيا من الدول العظمى سألت عن مجازر الفلسطينيين في فلسطين على مر التاريخ على يد اليهود ولا عن مجازر العراقيين حديثا في العراق على يد الجيش الأميركي والمرتزقة والذين لا يبعدون سوى عدة أميال عن مسرح مجزرة الأرمن، ولا عن مجازر المسلمين في البوسنة والهرسك ولا الشعب الأفغاني على يد التحالف.
تركيا أصبحت تشكل معضلة لمعظم دول أوروبا وأميركا وبينهم إسرائيل بالطبع. وهناك شبه فوضى في تحديد كيفية التعامل معها. وهي معضلة تشبه الشوكة التي علقت في منتصف المريء. فلا هي تخرج منه ولا تنزل إلى المعدة. وكلا الأمرين ينتج عنه ما قد لا يسر.
فتركيا تحاول منذ أمد طويل اعتبار نفسها دولة ديمقراطية على الطراز الغربي، ولتأكيد هذه الهوية التي حدد ملامحها كمال أتاتورك منذ 1923 بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، فعلت كل ما بوسعها لكي تصبح عضوا في الاتحاد الأوروبي رغم أنها عضو في عدة اتفاقيات أوروبية غربية.
هذا إلى اعتماد الولايات المتحدة الأميركية عليها بشكل رئيسي لشن هجماتها هنا وهناك في المنطقة. فلا توجد على وجه الأرض بقعة استراتيجية أوسع وأقرب إلى مناطق النفوذ الأميركي في المنطقة من تركيا. فهي تقع في منتصف الطريق بين أوروبا وآسيا وشرق أوروبا وشمال أفريقيا. هذا بجانب حدودها البحرية الممتدة من البحر الأسود إلى البحر الأبيض المتوسط. لكن مشكلة تركيا تتلخص في توجهها الديني.
فهي دولة محسوبة أولا على الإسلام والمسلمين رغم مغامرة أتاتورك التي نقلتها دون سابق إنذار وحتى دون الرجوع إلى صناديق الاقتراع إلى دولة علمانية بحتة غير قابلة للنقاش، إلا أن حساسية الأوروبيين مع الإسلام والمسلمين قديمة قدم الحروب الصليبية، بل أبعد من ذلك بكثير، ولم يتم استيعاب تركيا كدولة علمانية ـ ولا نلوم الأوروبيين على موقفهم ـ لأن قلب الشعب التركي ظل ينبض بالتعاليم المحمدية. وكانت نتائج الانتخابات الأخيرة في تركيا خير دليل على ذلك.
وهذا يعني أن دخول تركيا الاتحاد الأوروبي هو فتح الباب لأشد ما يخشاه الأوروبيون خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر: الإسلام والمسلمين والتطرف الإسلامي.
ولو تعمقنا قليلا لوجدنا أن الهلع الأوروبي مصدره الإعلام قبل الحقيقة. ولو عرفنا من يسير الإعلام الغربي والأميركي ـ بل حتى قراراتهم السياسية والعسكرية ـ لبطل العجب.
هناك دائما فئة مهيمنة أو لوبي له مصلحة كبرى في إبعاد تركيا، وبالتالي ممثلة الإسلام، عن أي اختراق لدوائر القوى في العالم. وكلما اقتربت تركيا مسافة خطوة نحو الدخول في أي علاقة ذات وزن وثقل مع الدول الغربية كلما واجهت ما يردها خطوتين للخلف.
أي أن تركيا أريد لها أن تبقى خارج سور العالم الغربي في الوقت الذي يطلب فيه منها أن تكون عند بوابته تحت تصرفه متى استدعت الحاجة. بكلمة أخرى، تريد دول أوروبا الغربية وأميركا من تركيا أن تقوم بدور (الجرسون)، الذي يطلب منه أن يحضر لي الطبق ولكني لا أسمح له بمشاركتي فيه!
ولكي تبقى تركيا في هذا الوضع المحير الذي فرضته هي على نفسها منذ أن كتب الله لها أن تقع في منتصف الطريق بين قارتين كآسيا وأوروبا، ومنذ أن اختارت أن تكون شرقية القلب غربية الهوى، لم يترك الغرب وسيلة إلا واستخدمها لكي يجبرها على البقاء في حدودها التي رسمتها لها.
إن إثارة مشكلة إبادة شعب الأرمن من خلال قرار مجلس النواب الأميركي قبل أيام تعتبر واحدة من تلك العصي التي تشهر في وجه تركيا من تارة لأخرى لجعلها تتراجع خطوة أو خطوتين للخلف في توجهها نحو اختراق المعسكر الغربي. واستدعاء تركيا لسفيرها في واشنطن يحقق لها ما تصبو إليه. خاصة وأن القلوب مشحونة لدى الطرفين، وبالذات الطرف التركي الذي يعتبر نفسه حليفا استراتيجيا للغرب وللولايات المتحدة ولكنه موجود فقط لتقديم خدماته لا أكثر.
ومعارضة بوش وصقوره لقرار مجلس النواب الأميركي لم يأت حبا في الشعب التركي، ولا رفضا لفكرة الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأرمن على يد الدولة العثمانية، ولكن لأن مصلحتهم تفرض ذلك.
وهذا ما يدعو للدهشة، أن يتخذ مجلس النواب الأميركي مثل هذا القرار الذي يخص قضية مضى عليها أكثر من قرن في هذا الوقت بالذات الذي هي فيه أحوج الناس إلى الدعم التركي وغير التركي، لدعم موقفها العسكري المتأزم في العراق، وإلى حشدها الرأي العالمي نحو ضرب إيران. فمن أين ستنطلق الطائرات الحربية الأميركية لضرب أعدائها في كل مكان وهي تسد في وجهها الطرق وتغلق قواعدها العسكرية؟
هناك خطأ في التوقيت يدعو للدهشة ويدل بلا شك على عدم تنسيق في رسم السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية. حيث لا يوجد له أي داع في الوقت الراهن.
التفسير الوحيد وجود من أراد أن يصبح بدوره شوكة في بلعوم تركيا ويبعدها عن فكرة الانضمام للاتحاد الأوروبي وتذكير الشعوب الأوروبية بتاريخ تركيا المظلم والدموي، ولكنها الولايات المتحدة الأميركية هي التي ستدفع فاتورة هذه الخطة الجهنمية.
وإلى أن تمر الأمور بسلام، نظل نحن كعادتنا متفرجين على إضاعة فرصة ذهبية نادرة في كيفية الاستفادة من هذا الموقف، ومن ثقل تركيا في العالم.
جامعة الإمارات