اقترب استحقاق تعديل الدستور التركي، وهو الأمر الذي يطرح تساؤلات حول ما سوف تشهده تركيا من تطورات في مرحلة ما بعد هذا التعديل سواء على صعيد توازنات القوى الداخلية أو على صعيد التوازن السياسي المترتب على التعديلات ذاتها.

أم التساؤل الأكبر فيدور حول ما إذا كانت تركيا سوف تنتقل من مرحلة العلمانية الشاملة إلى دولة أصولية متخفية بالنظر إلى أن من يشرف على إجراء التعديلات هو حزب العدالة والتنمية القادم من جذور إسلامية.

وتكتسب هذه التساؤلات شرعيتها من أن التعديلات الدستورية المنتظرة سوف تحدث نقلة سياسية كبرى في التاريخ التركي الحديث لأنها ترسخ جمهورية جديدة تختلف في ملامحها بالتأكيد عن ملامح الجمهورية الحالية القائمة هناك.

ومن المفيد الإشارة إلى عدة نقاط ونحن بصدد الحديث عن التعديلات الدستورية التركية وفى مقدمة هذه النقاط أن الحكومة التركية تحسبا لأي اختلافات قد تحدث بين القوى السياسية حول اتجاهات التعديلات خاصة.

وان معظمها له علاقة بإنهاء حالة العلمنة الشاملة للدولة التركية، تقوم بإجراء استقصاءات للرأي العام حول هذه التعديلات ولعل أهم هذه الاستطلاعات هو ما أفاد بأن أكثر من 70 % من الشعب التركي يوافق على رفع الحظر عن ارتداء الحجاب في المصالح الحكومية والجامعات، كذلك تحظى المواد المقترحة حول توسيع سلطات رئيس الوزراء بتأييد شعبي معقول وهو الأمر الذي يعنى أن الحكومة تضع من يعارض هذه التعديلات في مواجهة الشعب التركي وليس فقط في مواجهتها هي فقط.

أما ثاني النقاط فهو أن إنهاء علمنة الدولة في تركيا ليس مطروحا وإنما ما هو مطروح هو تشذيب العلمانية الحالية وإذا استعرنا مصطلحات الدكتور عبد الوهاب المسيرى فان ما يحدث في تركيا هو الانتقال من العلمانية الشاملة إلى العلمانية الجزئية. وهنا لابد من أن نضع في حسباننا أن الحكومة تدرك صعوبة أن لم تكن استحالة الخروج التام عن العلمانية فضلا عن أن العلمانية وما تفرضه من تعددية هي التي وفرت للحكومة الفرصة لكي تصل إلى الحكم.

أما النقطة الثالثة وهي الأهم من بين النقط جميعا فتتعلق بوجود كوابح تحول دون غلو حزب العدالة والتنمية في تعديلاته الدستورية تجاه الأسلمة الكاملة، وفي مقدمة هذه الكوابح فهي موقف المجتمع الدولي الذي يتعاطف مع العدالة والتنمية وأسلمة الدولة يمكن أن تنهي هذا التعاطف وتوحله إلى عداء لتجربة الحزب، خاصة من قبل الاتحاد الأوروبي الذي في هذه الحالة سيكون لديه مبررات موضوعية لعدم قبول تركيا في عضويته.

وهنا لابد من القول ان احد أسباب صبر الشعب التركي على حزب العدالة والتنمية وتجديد الثقة به هو أن سياسات الحزب تقرب تركيا من عضوية الاتحاد الأوروبي، أي أن إجهاض هذا الحلم سواء بسبب سياسات الحكومة أو بسبب موقف الاتحاد الأوروبى يمكن أن تنهي شهر العسل بين العدالة والتنمية المواطن التركي.

ومن بين الكوابح أيضا أن المواطن التركي وان كان معظمه يرفض العلمانية الشاملة فهو في نفس الوقت يرفض أسلمة الدولة، ومن هنا فإن حزب العدالة والتنمية قد يكون من خلال الاستطلاعات يسعى إلى اكتشاف السقف الممكن الوصول إليه فيما يتعلق بمدى العلمانية المطلوب وأيضا مدى الأسلمة المطلوب وبصيغ التعديلات الدستورية وفقا لها.

وهنا لابد من إدراك أن تعديل الدستور لن يأتي على رغبة حزب العدالة والتنمية الذي يسيطر على البرلمان وعلى مؤسسة الرئاسة وأيضا على الحكومة وإنما سيكون تعبيراً عن صراع سياسي ثلاثي بين العدالة والتنمية من جانب وكل من النخبة العلمانية والجيش التركي من الجانب الثاني.

ويمكن تأتى المحصلة بناء على توافق هذه القوى الثلاثة أو بناء على صراع فيما بينها وبناء على شكل التوافق أو الصراع يمكن نعرف مدى الاستقرار السياسي الذي سوف يتحقق في تركيا في مرحلة ما بعد التعديلات.

وبالتأكيد فإن حزب العدالة والتنمية سيضع في اعتباره عدة أمور أساسية وهو يصيغ التعديلات الدستورية وفي مقدمة هذه الأمور الثوابت التي يتمسك بها الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالدول الأعضاء فيه وفي مقدمة هذه الثوابت ما يتعلق بحقوق الأقليات ووقف الجيش عن التدخل في الحياة المدنية واحترام التعددية السياسية والثقافية.

من هنا نستطيع القول ان التعديلات المتوقعة لابد وان تعطى بعض الحقوق للأقلية الكردية ولكن بصورة لا تستخدم من قبل الجيش أو الأحزاب القومية من اجل اثبات أن العدالة والتنمية يريد أن ينهي الوحدة التركية.

والأمر الثاني هو أن الحزب لابد وان يعطى طابعا شعبيا للتعديلات حتى يستطيع امتصاص المعارضة التي لابد وان يوجه إليها لأنه من المستبعد تماما أن تمر التعديلات من دون معارضة شرسة لأنها سوف تعيد تأسيس الحياة السياسية التركية من جديد.

ونستطيع القول ان الخطوط العريضة للتعديلات سوف تكون على النحو التالي: إلغاء القيود في مجالات مثل حرية الدين والمعتقد، وتعريف الانتماء إلى التركية، واللغة الرسمية واللغة الأم، وإلغاء حظر ارتداء حجاب الرأس في الجامعات.

وسوف يحدّ مشروع الدستور الجديد من صلاحيات رئيس الجمهورية في التعيينات القضائية، وسيلغي كامل صلاحياته في مجال تعيين كبار الموظفين. وستصبح خطوات الرئيس خاضعة أيضاً للمراجعة القضائية.

أمّا عمداء الكليات الذين يعيّنهم الآن رئيس الجمهورية فسوف يُنتخَبون ديمقراطياً في مجالس الجامعات. ومن المتوقع أن يحدّ الدستور الجديد من صلاحيات مجلس الأمن القومي الذي يجمع كبارة القادة السياسيين والعسكريين، بحيث يتحوّل إلى هيئة استشارية لا تُلزِم قراراتها الحكومة بل تتخذ طابع التوصيات.

ومن المتوقع أن تسعى التعديلات الدستورية إلى تغيير هيكلية المحكمة الدستورية، ومن التغييرات قيام البرلمان بتعيين سبعة من قضاتها بدلاً من تعيينهم جميعاً من جانب الرئيس. وهذه الخطوط العامة هي الحد الأدنى المتوافق عليه من قبل معظم وليس كل بالتأكيد، القوى السياسية فضلا عن أنها هي التي تتوافق مع الخطوط العامة للاتحاد الأوروبي والتي يستطيع العدالة والتنمية تمريرها باعتبارها تقرب تركيا أكثر من عضويته.

كاتب مصري