لم يعد المحافظون الجدد في إدارة الرئيس بوش يثرثرون كثيراً بموضوعة الشرق الأوسط الكبير أو الجديد الأثير على قلوبهم، فنادراً ما يتطرق أحدهم في الظروف الراهنة إلى هذا المشروع في تصريحاته أو خطبه، وكأن إدارة الرئيس بوش ومحافظيها الجدد والاحتكارات الداعمة لها غضت النظر عن هذا المشروع ووضعته جانباً ورفعته من التداول، وأخذ كثيرا من المحللين السياسيين والصحافيين والمتابعين العرب يعتقدون أن المشروع فشل وذهب أدراج الرياح.

ويرون أن الإدارة الأميركية لا تريد إعلان الفشل وزيادة خيباتها بعد فشلها في العراق وفي أفغانستان وفي غيرهما، ولهذا تراجعت تلقائياً الأحاديث حول هذا المشروع في الصحف ووسائل الإعلام العربية وغير العربية إلا إذا كان ذلك في سياق مواضيع أخرى لتأكيد استنتاجات سياسية أو غير سياسية، فهل حقاً فشل مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، وهل أهملته إدارة الرئيس بوش فعلاً ولم يعد في جدول أعمالها؟.

يبدو لي أن الإدارة الأميركية لم تهمل المشروع ولم تقتنع بفشله بل على العكس من ذلك فإن تطبيقه يسير بمنهجية وانتظام وقد قطع خطوات كبيرة وعديدة في طريقه ليتحقق، ومازالت هذه الخطوات تتوالى وتتسارع في بعض الأحيان، وفي الحالات كلها فلو فشلت إدارة الرئيس بوش في تطبيقه فإن الإدارات الأميركية القادمة جمهورية كانت أم ديمقراطية ستتابع السير لتحقيق هذا الهدف ولن تختلف إدارة عن الأخرى إلا بالأسلوب ومتطلبات التأقلم مع الظروف المستجدة داخل البلدان العربية وخارجها.

من المتعذر قيام الشرق الأوسط الكبير إذا كانت الدول التي سيتألف منها ويقوم على أكتافها دولاً متماسكة ذات مركز قابض قادر على إدارة تبايناتها أو تناقضاتها، دولاً لها سمات اقتصادية وثقافية واضحة قريبة من كونها (دولة ـ أمة) تؤدي الخدمات المطلوبة منها لشعوبها وتحافظ على مصالح الناس وأمنهم واستقرارهم وتخفف أعباءهم وعناءهم الاقتصادي والاجتماعي والصحي، لأنه إذا كانت دول الشرق الأوسط كذلك فمن غير الممكن جرّها لتتخلى عن أهدافها السياسية ووحدتها الاقتصادية والثقافية وتقاليدها وقيمها الراسخة وعن المعايير التي حافظت على وحدتها منذ الاستقلال خلال السنوات ومازالت، لتلتحق بمنظومة الشرق الأوسط الكبير تحت النفوذ الأميركي والإسرائيلي المباشر.

ذلك لأن مشروع الشرق الأوسط يهدف إلى إقامة وحدة تجمعات لا وحدة مجتمعات ودول، وحدة تجمع شراذم مجتمعات وطوائف وقبائل وإثنيات متعددة المصالح بل متناقضة المصالح مختلفة على مرجعياتها السياسية والثقافية والطائفية والدينية والإثنية، لا تلتقي مصالحها في شيء لا في الاقتصاد ولا في الثقافة أو التوجه القومي ولافي السياسة أو غيرها، وعندما تقوم مثل هذه التجمعات بدلاً من المجتمعات المنسجمة والمرتبطة بنسيج اجتماعي واحد ودولة مركزية واحدة فإن التباينات في داخلها ستتحول إلى تناقضات وربما إلى حروب أهلية أو طائفية أو غيرها وستتلاشى الدول وتعم (الفوضى الخلاقة) .

وتصبح إقامة الشرق الأوسط الكبير (الجديد) مَخلصاً ومخرجاً للجميع وربما المخرج الوحيد إذا تعذرت العودة لمرجعيات موحدة للشعب كله أو إعادة اللحمة بين مختلف الفئات الإثنية والطائفية والتمسك بالمواطنة كمرجعية أولى وأساسية خاصة إذا كان الانتماء إلى الشرق الأوسط الكبير والدخول فيه أسهل من هذه الاشتراطات كلها.

عندما تنضم هذه التجمعات التي كانت تشكل دولاً إلى مجموعة الشرق الأوسط الكبير فإنها تكون مجتمعات منهكة مهزومة مغلولة اليد لا حدود لخيبتها تعجز بسبب هذا عن تولي إدارة أمور الشرق الأوسط الموعود فيأتي عندها الدور الإسرائيلي ليكون مهيمناً على هذا التجمع الجديد قائداً له وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة فيه، ليس فقط لأن المجتمع الإسرائيلي يدخله وهو متماسك الاقتصاد ملتف حول نظرية واحدة مدعوم بالصهيونية العالمية وبالإدارة الأميركية بل أيضاً بسبب ضعف المجتمعات التي انتسبت أو انضمت إلى هذا الشرق الأوسط .

وهي مفتتة ضعيفة خارجة من فتن محلية وعنف أحمق وتناقضات توسعت حتى كادت أن تكون بلا حل، تقوم فيها شبه دول متهالكة وإدارات فاسدة، تحمل تجمعاتها موروثات وتقاليد تزيد تناقضاتها وحروبها الداخلية بحيث يصبح الموجه الإسرائيلي للشرق الأوسط الجديد هو القوة المهابة التي يتزلف لها الجميع ويحاول كسب ودها، وعندها يكون على الأمة وثقافتها وقيمها ودياناتها وتاريخها السلام.

إن إقامة الشرق الأوسط الجديد يتطلب مزيداً من العنف والتفتت والفتن في كل بلد عربي لتهيئة هذا البلد للدخول في نعيمه (سعيداً) على أساس أنه المخرج الوحيد لحالة العنف المتفشية فيه، وحال الشرذمة المجتمعية وانفجار خوائها الثقافي والقيمي وفقدان المرجعية وتعددها وتناقضها.

إن ما يجري في بعض مجتمعاتنا خاصة في العراق ولبنان وفلسطين وفي غيرها أيضاً يدل بوضوح على أنها تسير بثبات نحو تهيئة الظروف لقيام الشرق الأوسط الجديد سواء كانت تعلم أم لا تعلم وسواء كانت تريد أم لا تريد، وأن الإدارة الأميركية تراكم منهجياً شروط الوصول إلى هذا الهدف.

ويخطئ من يعتقد غير ذلك أو يظن أن المشروع يسير ببطء أو أنه نُحيّ جانباً أو ألغي، فمشروع الشرق الأوسط الكبير لا يتحقق بقرار أو بإرادة عابرة وبضربة حظ إنما يحتاج إلى جهد ووقت وخطط وزمن كاف لإعادة تشكيل المجتمعات القائمة بعد تدمير بناها الوطنية والسياسية والثقافية ومرجعياتها وقيمها وهذا ما تعمل السياسة الأميركية لتحقيقه.

إن ما يجري في بعض البلدان العربية ليس عبثاً أميركياً أو تحقيقاً لسطوة الدولة العظمى أو خدمة لمصالح عابرة فقط إنما هو تأسيس لمرحلة قادمة تعتمد على (الفوضى البناءة) لتقيم نظاماً جديداً وتأبيدة تحت جناح السياستين الأميركية والإسرائيلية وتحقيق مصالحهما وهو ما نراه يتأسس أمام أعيننا ونلمسه لمس اليد.

تُشغل مجتمعاتنا تباينات أو تناقضات ثانوية تتحول إلى أساسية بقدرة قادر، ولم نعد نستطيع التمييز بين الرئيسي والثانوي، وأخذنا نستكمل الشرط الموضوعي لقيام الشرق الأوسط الكبير الذي نعتقد أننا رفضناه، والذي يرى بعضنا أنه ضرب من الخيال، وحقيقة الأمر أننا ننسج حبل مشنقتنا بأيدينا، ونسقط في فخ التناقض والتفكك والتخلي عن وحدة مجتمعاتنا ومصيرنا وكياناتنا السياسية وثقافتنا القومية وقيمنا الروحية ومصالحنا، ونسير إلى حتفنا بتسارع لا يمكن أن نحسد عليه.

كاتب سوري