بعد ستة لقاءات قمة بين الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت لم تكن سوى نقاشات عاصفة وجولات أفق، لم تحدد لفرق التفاوض حداَ أدنى أو أقصى كنقاط انطلاق ووصول، تحول الملف بكل ما فيه وما ليس فيه إلى اللجان التفاوضية من الطرفين، والتي بدأت أعمالها يوم الاثنين الماضي في مكان غير معلن في إسرائيل.
توقيت انطلاق اللجان التفاوضية يبدأ قبل أسبوع من زيارة ستقوم بها وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس، قد تستدعيها لإجراء مباحثات مكوكية بين الطرفين تستغرق مبدئياً خمسة أيام.
خلال الأسبوع الذي يسبق زيارتها، يفترض أن يكون الطرفان المتفاوضان قد أنجزا شيئاً بمساعدة معاونها ديفيد سترفيليد الذي وصل إلى إسرائيل يوم انطلاق عمل اللجان التفاوضية، وحتى يمكن لرايس أن تتبين حدود ووجهة حركتها لإنجاز وثيقة اتفاق ما، في حال التوصل إليها، فإنها ستكون مؤشراً رئيسياً نحو الحكم على أعمال اجتماع الخريف.
ومع انطلاق عمل اللجان التفاوضية أطلقت إسرائيل جملة من التصريحات المتضاربة، التي تعكس من ناحية تضارب سياسات أحزاب الائتلاف الحكومي وعدم قدرة رئيس الحكومة وحزبه على بلورة رؤية محدودة ومتفق عليها، ومن ناحية ثانية تعكس مدى ثقل المسؤولية التي تشعر بها الحكومة إزاء دعوة تطلقها وتقودها الولايات المتحدة وتساندها فيها دول كثيرة على المستويين الدولي والإقليمي.
على أن حملة التصريحات الإسرائيلية الرسمية المتضاربة، تخدم في الوقت ذاته الرغبة في إضفاء قدر عال من الضبابية والغموض المقصود منه ممارسة تضليل واسع، بما في ذلك للرأي العام الإسرائيلي الذي يقع تحت تأثيرات قوية من المعارضة، خصوصاً بعد ما أصاب أولمرت جراء فشل حربه على لبنان، وملفات الفساد التي ما أن يتم إغلاق أحدها حتى ينفتح في وجهها ملف آخر.
معظم وزراء الحكومة الإسرائيلية أدلوا بدلوهم ففي حين يعبر أولمرت عن عزمه على المضي قدماً في عملية السلام مع الفلسطينيين ولكن إبرام معاهدة هو أمر بعيد المدى، فإن نائبه حاييم رامون يحذر من تفويت فرصة السلام ويجدد الدعوة لتقاسم القدس، مبرراً رؤيته بالقول إن فشل المؤتمر سيضع إسرائيل في مواجهة حماس ومحاربتها.
وزير الشؤون الإستراتيجية افيغدور ليبرمان الذي يتزعم حزب «إسرائيل بيتنا»، يؤيده الوزير جدعون عيزرا، يتحدث عن إمكانية إعادة بعض ضواحي القدس إلى السيطرة الفلسطينية ولكن الحديث يدور خارج إطار مدينة القدس، وبالتالي خارج أسوار الجدار الذي تقوم إسرائيل ببنائه حولها.
وزيرة الخارجية تسفي ليفني يؤيدها الوزير عامي أيالون، تعتبر أن الزمن يعمل ضد مسيرة السلام، ولذلك فإنها ترى بأن على إسرائيل استغلال الفرصة المتاحة ولكن رؤيتها محصورة في حل مؤقت يتصل برؤية الدولتين التي يطرحها الرئيس بوش.
أما زعيم حزب العمل ووزير الدفاع إيهود براك، فإنه يستحث إسرائيل على العمل من أجل إفراغ المؤتمر من مضمونه وهو متحمس لشن حملة عدوانية واسعة تصل إلى حدود اجتياح قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس منذ أربعة أشهر.
وليس أخيراً ينضم وزير الصناعة إلى الجمهور الإسرائيلي الذي أظهر استطلاع للرأي أن أكثر من 65% منه يرفضون تقسيم القدس.
وفيما يستمر تضارب الآراء والمواقف على المستوى الحكومي، وبما يؤدي إلى تضليل وإرباك المعارضة التي يتزعمها حزب الليكود، يخرج من بين صفوف تلك العارضة زعيم حزب موليدت اليميني العنصري (كتلة الوحدة القومية) ليعلق عن مبادرة تستند على حد تعبيره «إلى تفكير مختلف وعصري وتسمح بالتوصل إلى سلام حقيقي».
مبادرة بينامين ألون الذي تزعم حزب مولديت بعد مقتل زعيمه السابق رحبعام زئيفي على يد مقاتلين من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 2001، تنبثق من عقيدة الحزب الذي يدعو إلى تهجير الفلسطينيين وتوطينهم في أماكن إقامتهم خارج فلسطين التاريخية.
تقضي أفكار ألون «العصرية» بضرورة أن تفرض إسرائيل سيادتها على الضفة الغربية، وبأن يمنح سكانها الفلسطينيون الجنسية الأردنية، معتبراً أن مكانتهم وروابطهم تكون لكلتا الدولتين، إسرائيل والأردن، وبحيث يتم بين الدولتين الاتفاق على شكل إدارة المناطق التي يسكنها الفلسطينيون.
يبرر جوهر أفكاره بالقول إن إسرائيل لم تأخذ من الفلسطينيين دولة لهم لم تكن موجودة، وإنما أخذت بيوتهم وكرامتهم، وبالتالي فإن هذه المبادرة تعيد لهم كرامتهم وتنقذهم من فقرهم ومعاناتهم.
ألون لا يتحدث عن مفاوضات أو عملية سلام، ذلك أنه يتحدث عن فرض هذه المبادرة، وهو يستبعد كلياً وجود شريك فلسطيني كما أنه يستبعد تماماً أي حديث عن قطاع غزة الذي احتلته إسرائيل وتسيطر عليه حماس، وكذلك الحال بالنسبة للقدس التي يعتبرها خارج أي حديث باعتبارها العاصمة الأبدية الموحدة لإسرائيل. بمعنى آخر يذكرنا ألون بفكرة أو مشروع التقاسم الوظيفي بين إسرائيل والأردن التي طرحت في السبعينات من القرن الماضي، وتستعيدها السياسة التي تمارسها إسرائيل على أرض الواقع.
وفي الحقيقة فإن فكرة ترك قطاع غزة ليقيم فيه الفلسطينيون كياناً ما اعتبرته إسرائيل الرسمية معادياً، أو عودة القطاع إلى الإدارة المصرية، وإعادة الضفة إلى الأردن وفق صيغة علاقات كونفدرالية أو فدرالية. هذه الفكرة جرى استظهارها وتنشيطها كأحد السيناريوهات الواقعية المطروحة، بعد انقلاب حماس في الرابع عشر من يونيو الماضي.
وفي الحقيقة فإن استمرار الانقسام والصراع بين حركتي فتح وحماس، واستبعاد الحلول لمعالجة هذه الأزمة، وعناد الأطراف، يشكل عاملاً مشجعاً لتنشيط مثل هذا السيناريو، ولذلك فإن استبعاده مرهون بمدى وعي القيادات السياسية الفلسطينية لضرورة تجاوز خلافاتهم وأجنداتهم الحزبية الخاصة نحو استعادة وحدتهم.
وبشكل عام يسري انطباع في أوساط النخب العربية بما في ذلك الفلسطينيون والإسرائيليون، أن تحقيق السلام هو مغامرة كبرى وتاريخية تحتاج إلى أطراف وزعماء أقوياء والدليل على ذلك أن مناحيم بيغن هو الذي أنجز اتفاق كامب ديفيد مع مصر، وأن اسحق رابين بدأ عملية السلام الحالية بتوقيع اتفاق أوسلو، وأنه في غياب هذا النمط من الزعماء ليس لزعيم أعرج مثل إيهود أولمرت أو لحزب الوسط الذي يتزعمه أن تتوفر له ولحزبه عوامل إنجاز وتحقيق مثل هذه العملية.
لقد فشل زعماء حزب العمل بعد رابين، شمعون بيريز، وإيهود براك، وعمير بيرتس، ثم باراك، في دفع عملية السلام، كما فشلت زعامات الليكود في تحقيق ذلك، إلى أن جاء شارون ليفرض على الأرض سلامه الخاص ليسلم الراية بعده لرجل هو أولمرت لا ينتمي إلى فئة الزعماء التاريخيين وحزب أيضاً هو «إلى الأمام» لا ينتمي إلى الأحزاب التاريخية ولا يتجاوز دوره وتأثيره حدود دورتين انتخابيتين.
هل يمكن بعد كل هذا للمزارع الأميركي أن يشكل من كل هذا الخليط باقة ورد؟
كاتب فلسطيني