«ميرسناري» كلمة في الإنجليزية ترجع إلى أصول فرنسية، وهي تردد أصداء لفظة «ميرسي» الفرنسية لتعني الشكر أو الجزاء أو المكافأة.. ثم تنصرف إلى معنى الأجر مقابل الخدمة..

وبعدها يتطور المعنى إلى أي شخص يقدم خدمة لقاء أجر معلوم ومدفوع إلى أن يستقر المعنى عند تأجير السواعد لقاء المال.. وهو ما تبلورت بعده لفظة الارتزاق العسكري ومن ثم مصطلح «المرتزق» الذي يحارب بغير قضية وقد يقتل بغير دوافع اللهم إلا تحصيل أكبر عائد مالي دون أن يردعه في هذا كله وازع من خلق أو هاجس من ضمير.

والحق أن البشرية شهدت عبر تاريخها تجييش قوات من الجنود المرتزقة الذين كانوا يقاتلون لحساب ملوك وأباطرة.. منذ أيام الممالك القديمة والحضارات الغابرة، وكان أشهرها الجنود المرتزقة الذين كان يعوّل عليهم أباطرة الرومان ولاسيما مع مرحلة الغروب التي آلت إليها أحوال إمبراطوريتهم حين دخلت طور الاضمحلال ومن ثم السقوط على نحو ما يعبر عنه عنوان الكتاب الشهير في أدب الإنجليزية المنشور عام 1776 للمؤرخ إدوارد جيبون.

ورغم أن الارتزاق العسكري أصبح في حكم الوصمة التي تشين المرتزق الذي يأكل خبزه ـ أو بالأدق يراكم حساباته في البنك من احتراف القتل والأذى والتدمير ـ فقد ظل العصر الحديث يشهد موجات من تجنيد المرتزقة لخوض حروب أهلية وداخلية، ومحدودة على نحو ما ظلت تشهده القارات الإفريقية والآسيوية واللاتينية خلال مراحل شتى من القرن العشرين، ولدرجة أن أدرجت الجمعية العامة للأمم المتحدة بنداً شهيراً على جدول أعمالها يقضي بحظر وتحريم تجنيد واستخدام المرتزقة في الصراعات المسلحة باعتبار ذلك عملا ينبئ عن أخلاقيات الحرب وشيم المقاتلين.

لكن عقد التسعينات ما لبث أن عمد إلى تغيير، أو بالأدق، تزييف صفة الارتزاق العسكري فكان أن أضفى على ظاهرة المرتزقة من باب التجميل أو التزويق صفة «الخصخصة» فيما يشبه «يولوك» كما قد نقول، وتحت عنوان «شركات الأمن الخاص» التي جاءت لتحل محل سابقاتها من مؤسسات المرتزقة العسكريين التي سبق وحملت أسماء البيريهات السود في انجلترا أو الأقدام السوداء في فرنسا.

في حقبة الحرب الباردة.. وبعد انقضاء الصراع «الفيتنامي - الأميركي في جنوب شرقي آسيا.. أصيبت بالبطالة أعداد غفيرة من قدامى العسكريين السابقين وطبعا أصيبت بالكساد قطاعات ومؤسسات ومصالح عديدة في مجالات صناعات الأسلحة والذخائر وسائر أجهزة ومعدات القتال..

وكان لابد أن يتدخل القطاع الخاص لتسيير الأمور في تلك القطاعات، ومن ثم جاء إنشاء مؤسسات خاصة معنية بتقديم سائر الخدمات في مجال الصراع العسكري ابتداء من عمليات الاستكشاف والاستطلاع وجمع المعلومات الاستراتيجية وتجهيز البيانات التكتيكية.. ومن قبلها بداهة عمليات التدريب والتأهيل على خوض القتال ومن بعدها بالطبع عمليات الهجوم والاشتباك.

في هذا الإطار تجلت ظاهرة القطاع العسكري الخاص أو نشاط القطاع الخاص في الميدان العسكري.. وقد وصل الحجم المادي لهذا النشاط - كما دلت المعلومات التي تناهت إلينا في عام 2005 - إلى ما يزيد على 500 مليار دولار.. وهي حصيلة في ازدياد متواصل بطبيعة الحال مع اتساع استخدامات عناصر المرتزقة العسكريين سواء لأغراض الأمن الخاص أو في عمليات خوض القتال نيابة عن القوات العسكرية النظامية.

ولقد ارتادت جريدتنا «البيان» هذه الساحة بالذات حين سبقت إلى تقديم عرض تحليلي لأهم كتاب صدر في هذا الموضوع فور نشره بأميركا في ربيع عام 2007 الحالي. ويومها اطلع القراء ولاشك على أبعاد الحجم المروع لأنشطة هذا النشاط العسكري والأمني المخصوص الذي مازلنا نراه، ويراه محللو الشأن السياسي والعسكري الدولي، على ظاهرة منافية تماما للأعراف الحضارية التي تقوم عليها الدولة الحديثة أيا كان مذهبها السياسي أو عقيدتها الأيديولوجية.

وهي الأعراف التي تقضي باقتصار الشأن العسكري وقضايا الأمن والضبط والربط وحفظ النظام العام على الدوائر والقوات والعناصر والقيادات النظامية الرسمية التابعة للدولة والتي ترأسها وتحركها أعلى القيادات في إطار سلم القيادة الهرمي وتسلسلها على الصعيد الوطني - القومي من حيث الاختصاصات والتكليفات والمسؤوليات.

وبديهي أن مؤسسة بلاك ووتر الأميركية ذاع اسمها مؤخرا بعد اتهام عناصرها في منتصف سبتمبر الماضي بأنهم أطلقوا نيران مدافعهم بصورة عشوائية وغير مسؤولة، بل غير مبالية كما قيل، فكان أن صرعوا عددا من المدنيين العراقيين الأبرياء في ساحة النسور في العاصمة العراقية بغداد.

في غمار هذا الحادث المفجع وغيره من حوادث شهدت سلوكيات المرتزقة المتعاقدين في العراق وهم يتصرفون دون خشية من عتاب، بدأت دوائر الكونغرس الأميركي في إجراء تحقيقات مستفيضة بشأن الموضوع.. وكان طبيعيا أن يتطرق التحقيق البرلماني إلى جذور المسألة أي إلى قضية مؤسسات الارتزاق العسكري وخدمات الأمن الخاص من الأساس.

وما كان الأمر ليعنينا من المنظور العربي لو ظلت الأنشطة المذكورة مقتصرة على حدود الولايات المتحدة ولكن الأمر تعدى ـ كما هو معروف ـ إلى أن اتسع.. بل استشرى نشاط هذه المؤسسات في العراق وقبلها في أفغانستان.

والخشية.. كل الخشية أن يمتد إلى أقطار أخرى في شرق عالمنا أو غربه، والخشية أيضا أن يشيع هذا النموذج من خدمات الحرب والأمن الخاص وقوامه كما هو منطقي وكما هو خطير أيضا تشكيلات العنف المسلح التي قد تبدأ على استحياء بعناصر الحراسة الخاصة (البودي جارد وما في حكمها) وقد لا تنتهي ـ وهنا مكمن الخطورة ـ بتشغيل الميليشيات التي تعمل لحساب تجمعات فئوية أو عشائرية أو مصالحية أو عرقية أو جهوية.. ويتم هذا كله على حساب ترويع السكان المدنيين من جهة وزعزعة استقرار النظم والدول والأوطان من جهة أخرى.

مغامرو المرتزقة هم عسكريون محترفون وهم في أغلبهم خبراء محنكون في حرفة القتل.. لا يصدرون عن الإيمان بقضية ولا الانتصار لجماعة ولا تلزمهم قواعد الاشتباك المطبقة في ساحات الحروب ولا مواثيق إدارة الصراع المسلح - وخاصة ما يتعلق بالسكان العزل والمدنيين على حد ما تنظمه اتفاقيات جنيف الأربع الشهيرة لعام 1949..

كل ما يعنيهم هو الأجور الطائلة التي يتقاضاها الفرد المرتزق الذي يحمل في العراق صفة «متعاقد» على سبيل التخفيف أو التنميق بل يتقاضى بعضهم مبلغا يصل إلى ألف دولار يوميا(!) وهو أجر لا يرقى إليه مرتب أكبر القادة في الجيش (الرسمي - النظامي) للولايات المتحدة وهم جنرالات الأربع نجوم الأعلى رتبة في القوات الأميركية المسلحة على نحو ما يقول الكاتب البريطاني جون بيرنز (في دراسة نشرتها نيويورك تايمز الأميركية، عدد 23/9) تحت عنوان لا تخفى دلالته وهو «لعبة الموت التي يمثلها الأمن الخاص».

مع الأيام الأولى من أكتوبر الحالي بدأ السيد برنس رئيس شركة بلاك ووتر يواجه لجان الكونغرس، ليدافع - بالطبع - عن شركته التي صورها في أهاب الضحية(!) التي تعرضت لسوء الظن والتسرع في إصدار الآراء والأحكام..

هذا بينما أكد التقرير البرلماني الذي استندت إليه لجان الكونغرس المعنية بالتحقيقات كيف كان مسلحو بلاك ووتر من المرتزقة يطلقون النار في ساحات العراق وهم على متن سياراتهم المتحركة بسرعة، دون أن يتوقفوا لا للتريث أو التثبت أو حتى لإحصاء القتلى أو إسعاف المصابين. ومنهم من عمد إلى إطلاق نيران مدفعه عشوائيا وهو تحت تأثير الخمر وفي سلوك وصفه التقرير الأميركي بأنه نهج كان يسعده الضغط على الزناد بقدر ما كان مستهينا بأرواح العراقيين.

كاتب مصري