بات واضحا أنه لا أمل في إحياء اتفاق التعاون النووي الأميركي الهندي الذي أبرمه الرئيس بوش مع نيودلهي في يوليو من العام الماضي، حيث لم يقبل الكونجرس الأميركي التصديق على الاتفاق الذي أحدث ضجة وردود فعل كبيرة في الأوساط السياسية الأميركية التي رفضت الاتفاق معتبرة إياه خطأ كبيرا من الرئيس بوش الذي يجهل تماما أبعاد وخلفيات العلاقات الأميركية الهندية من جهة وتوجهات السياسة الخارجية الهندية من جهة أخرى.

وكتبت صحيفة واشنطن بوست تقول إن«الرئيس بوش اتفق مع الهند بدون الرجوع لرأي الخبراء والمختصين الأميركيين»، وقالت الصحيفة أن الرئيس بوش اعتقد خطأ باتفاقه هذا أنه سيسحب البساط من تحت أقدام روسيا التي يربطها بالهند علاقات قوية وتاريخية في المجال العسكري والنووي يصعب على أية جهة اختراقها.

لقد أثار هذا الاتفاق بالفعل دهشة الكثيرين في مختلف أنحاء العالم، واعتقد البعض أن هذا الاتفاق بالفعل سيحدث شرخا في العلاقات الروسية-الهندية، حيث تتولى روسيا حاليا بناء أكبر محطة كهرباء «كهروذرية» في الهند في «كودانكلام» في ولاية تاميلنا الهندية، وقد انتهت المرحلة الأولى منها وبدأ تشغيل المحطة في هذا العام والتعاون النووي بين البلدين قديم، وقد أشاد رئيس لجنة الطاقة الذرية الهندية آنيل كاكودكار بدقة ومتانة وسلامة التقنيات النووية الروسية وقدرتها على مواجهة الكوارث الطبيعية وحوادث الطائرات، هذا إلى جانب التعاون العسكري المتميزتين البلدين .

حيث تأتي الهند في المرتبة الثانية بعد الصين في استيراد السلاح الروسي الذي يشغل أكثر من70% من تسليح القوات المسلحة الهندية، بينما تشكل واردات الهند من السلاح الروسي نحو 35% من صادرات روسيا من السلاح.

لقد تصدى اللوبي المناهض للهند وروسيا في الكونجرس لاتفاق الرئيس بوش مع الهند حول التعاون النووي ووضع الكونجرس شروطه للتصديق على الاتفاق بأن تمتنع الهند عن إجراء أية تجارب على الأسلحة النووية مستقبلا.

ولكن رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينج أعلن أن بلاده لن تقبل أية شروط على تجاربها في التسليح النووي وأن برنامجها النووي معروف للعالم كله بشقيه المدني والعسكري. لم يمض على اعتراض الكونجرس على التصديق على الاتفاق سوى أيام قليلة في مطلع سبتمبر الماضي حتى كانت هناك في مقاطعة بسكوف الروسية تجرى مناورات عسكرية هندية - روسية مشتركة تحت اسم «أندرا 2007».

وهي المناورات الثانية بين البلدين بعد مناورات «أندرا 2005» منذ عامين، ولم يمضي أيام قليلة أخرى على المناورات حتى أعلنت الهند وروسيا عن إنتاج الشركة المشتركة بينهما «براموس» للتصنيع الحربي صاروخا جديدا بعيد المدى تفوق سرعته سرعة الصوت بعدة مرات ولا يمكن أن تتصدى له أية منظومة دفاعية صاروخية في العالم كله ولا المنظومة الأميركية.

ونعود هنا لنذكر أن روسيا هي الدولة الوحيدة في العالم كله التي عبرت عن ترحيبها في العام الماضي بالاتفاق النووي الأميركي - الهندي، وقد اندهش الكثيرون من هذا الترحيب، وخاصة في واشنطن حيث قال الخبراء النوويون الأميركيون أنه من الطبيعي أن يرحب الروس بمثل هذا الاتفاق الذي سيضع التكنولوجيا النووية الأميركية بين أيديهم ليعرفوا كافة أسرارها التي كانت محجوبة عنهم لعقود طويلة والتي لن يحجبها عنهم أصدقاؤهم الهنود بالطبع.

وقال الخبير النووي الأميركي جون كيركن «أشك تماما في أن يسمح الهنود للأميركيين بالاطلاع على التكنولوجيا النووية الروسية الموجودة لديهم، خاصة وأن إسرائيل سبق لها أن حاولت ذلك لكن الهنود رفضوا لأنهم يعتبرون علاقاتهم النووية والعسكرية مع روسيا جزء لا يتجزأ من أمنهم القومي الذي لا يجب الاقتراب منه».

العلاقات الهندية - الروسية التي يرجع تاريخها لعام 1947 ويحتفل في هذا العام بمرور ستين عاما على تأسيسها تعد علاقات متميزة و مثيرة للدهشة في نفس الوقت، فالهند التي لم تكن يوما ما دولة شيوعية ولا اشتراكية كانت تربطها بموسكو السوفييتية علاقات وصفها البعض بأنها أقوى من علاقات موسكو بدول المعسكر الشيوعي،.

في نفس الوقت لم تكن علاقات الهند بواشنطن دائما على ما يرام حتى احتار الكثيرون في توصيف طبيعة وتوجهات السياسة الخارجية الهندية في زمن الحرب الباردة، وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبينما الغرب وأوروبا وغيرهم من الدول بما فيهم معظم الجمهوريات السوفييتية السابقة يسعون لتحجيم دور روسيا وتفتيت قواها والحد من نموها السياسي والاقتصادي والعسكري اتخذت الهند سياسة مخالفة تماما في منتصف تسعينات القرن الماضي في عز سنوات الانهيار في روسيا.

حيث ذهبت الهند دون غيرها تدعم بأموالها قطاع التصنيع الحربي والنووي الروسي الذي كانا في أمس الحاجة للدعم المادي بسبب الأزمة المالية الطاحنة في روسيا، ومازال الروس حتى الآن يقدرون للهند هذه الوقفة معهم و يمنحونها الآن ثقة عالية جدا في التعامل في التقنيات العسكرية.

حيث وافقت مؤسسة «روس أبورون اكسبورت» المسئولة عن التصنيع الحربي الروسي وتصديره على منح الهند العديد من التراخيص لتصنيع وتطوير وصيانة مختلف الأسلحة الروسية القديمة والحديثة، وهي ميزة لا تمنحها روسيا لأحد بسهولة ولا للصين التي تستورد من السلاح الروسي أكثر من الهند.

كما وقفت روسيا موقفا إيجابيا مع الهند أثناء أزمة الطاقة بعد الارتفاع الحاد في أسعار النفط وحاجة عجلة الإنتاج الهندية المتسارعة للطاقة، وأمر الرئيس بوتين بتلبية حاجات الهند من النفط والغاز الطبيعي، وتدعم موسكو الهند سياسيا بشكل كبير لتحتل مكانتها على الساحة الدولية حيث تعتبر الهند بفضل روسيا المرشح الوحيد في القارة الآسيوية للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي.

ولكن ما يزعج الغرب وواشنطن أكثر في العلاقات الروسية - الهندية هو نجاح موسكو في الأعوام القليلة الماضية في تذويب جبال الثلج المتجمدة منذ سنوات طويلة في العلاقات بين العملاقين الأسيويين الصين والهند بسبب العلاقات المتطورة عسكريا وتكنولوجيا بين الصين وباكستان، حيث استطاعت موسكو إقناع بكين بتحديد علاقاتها مع باكستان وقطع تعاونها العسكري معها من أجل تحسين علاقاتها بالهند، و قد وجه الرئيس الهندي عبد الكلام أثناء زيارته لموسكو في مايو عام 2005 شكرا خاصا للرئيس بوتين على دوره البارز في تحسين العلاقات الهندية - الروسية.

الآن أصبحت العلاقات الهندية - الروسية المتطورة في المجال العسكري والنووي تسبب قلقا وإزعاجا كبيرا للغرب وواشنطن، التقارب الثلاثي بين روسيا والهند والصين يثير الرعب على الساحة الدولية خاصة مع تردد الحديث فى الآونة الأخيرة عن احتمال قيام تحالف استراتيجي بين البلدان الثلاثة في المستقبل، وهو ما تنبأ به رئيس الوزراء الروسي الأسبق يفجيني بريماكوف عام 1998 وقال إن مثل هذا التحالف وحده قادر على تغيير موازين القوى بشكل جذري على الساحة الدولية ووضع حد لنظام القطب الأوحد الذي ثبت فشله وأضراره.

كاتب ومحلل سياسي روسي جامعة سيبيريا