على غرار الجدل الفكري والسياسي الممتد بين أنصار الكفاح المسلح العنيف ومعارضيه، يمكن العثور على رؤى متضاربة بشأن جدوى النضال المدني اللاعنفي بين يدي الحالة الفلسطينية.

ومن الملاحظ أن هذا التضارب الأخير قد إنداح بوتيرة متصاعدة في المجال الفلسطيني، على المستويين الجماهيري والنخبوي، خلال العقدين الماضيين.. جرى ذلك بالنظر إلى عدول قوى تنظيمية ورموز قيادية واسعة الانتشار والنفوذ إلى المقاومة اللاعنفية، وهم الذين اصطفوا طويلاً خلف منهجية العنف ودافعوا عنها كوسيلة وحيدة لتحقيق الأهداف الوطنية في الاستقلال والتحرير.

نحن الآن على مشارف نهاية العقد الثاني بعد هذا التحول الفارق من منهجية كفاحية إلى أخرى مغايرة وربما معاكسة، ومع ذلك ليس ثمة ما يؤكد بأن دعاة اللاعنف الفلسطينيين باتوا يستحوذون على إطار نظري ودليل عملي متماسك يعزز أطروحتهم. لا يوجد حتى الآن بناء فكري مشفوع بالتعميمات والتفصيلات، يعرض لكيفية اجتراح المقاومة المدنية في الحالة الفلسطينية، ويأخذ بعين الاعتبار محدداتها وظروفها وبيئتها وطبيعة الصراع الذي تخوضه بشكل خاص.

ما يوفره اللاعنفيون الفلسطينيون ومؤيدوهم هنا وهناك، لا يتعدى توليفة أدبية سياسية تعتمد على مطالعات لتجارب عالمية أو إقليمية بعضها لا يمت بصلة لما يتفاعل في الحالة الفلسطينية. وتتجلى الحماسة والانحياز الأهوج لبعض هذه التجارب من عمليات القياس والمحاكاة غير المعمقة التي تشوب هذه المطالعات وعلي رأسها النموذج الهندي الأشهر بزعامة المهاتما غاندي. هذا يذكرنا بالمقاربات الأقدم التي اضطلع بها بعض هؤلاء يوم تمترسوا في خندق الكفاح المسلح، وكانوا ينظرون له بحسب قراءاتهم لنماذجه الشهيرة أيضاً، لاسيما الجزائري منها والفيتنامي!.

والحق أن هذه المراوحة التاريخية بين أنماط النضال التحرري، بتبني العنف تارة ثم اللاعنف تارة أخرى أو الدعوة إلى المزاوجة بينهما قد تحسب لبعض القوى الفلسطينية،باعتبارها لم تقصر في تلمس كل السبل وهي تقارع الاستعمار الصهيوني الإسرائيلي. غير أنه يمكن النظر للأمر ذاته بشكل آخر، حتى لا نقول مخالفا تماماً.

موجزه فضفاضية التعامل مع الوسائل التحررية، والتنطع بينها بشكل عشوائي على غير هدى ولا بصيرة من نجاعتها بمنظور شامل.. بمعنى فقدان هذه القوى للبوصلة الكفاحية وإتباعها أساليب التجريب، التي ربما تسببت في دفع أثمان باهظة تفوق بكثير العوائد التي تحققت.

يستطيع أصحاب كل من هاتين القناعتين الاعتماد على أسانيد وشواهد من معين مسار الحركة الوطنية الفلسطينية وسيرتها العريقة. بيد أن ما لا ينبغي الاختلاف عليه موضوعياً، هو عدم التناسب بين التضحيات المدفوعة والإنجازات المتحققة على هذا المسار تحت رعاية الجميع.

وفي ضوء نتيجة كهذه لا يصح لفريق اللاعنف أن يباهي كثيراً بحصافته وحكمته، ليس فقط لأنه كان الراعي الأساسي والأول ذات مرحلة لمنهجية العنف التي يسخر منها راهناً، ولكن أيضاً لأنه مازال عليه أن يبرهن على سلامة اتجاهه غداة شد رحاله إلى حوزة اللاعنف. هذا عدا أنه لا يسعه الزعم بامتلاكه لنظرية ذاتية نابعة من واقعه وحالته الخاصة تتعلق باللاعنف، تماماً كما افتقد سابقاً لمثل هذه النظرية على صعيد العنف.

عشرون عاماً على الترويج لمفهوم المقاومة اللاعنفية فلسطينياً، فضلاً عن معايشة تجربة غنية بحجم الانتفاضة الأولى.. هذا كان يكفي وزيادة لتبلور نموذج فلسطيني خاص حول هذا المفهوم. لكن ظاهر حال وخطاب اللاعنفيين الفلسطينيين وأشياعهم لا يثير التفاؤل بهذا الخصوص.

إذا أنهم ما زالوا يلوكون هذا المفهوم ويبشرون به، مستلهمين نماذج الآخرين واستحضارها بلا تدبر في الفروق الدقيقة، ولكن المهمة، بينها وبين حالتهم. وأهم من هذه النقيصة في مقاربتهم، إغفال السياق الموضوعي المحيط بالتجربة الفلسطينية ذاتها بين مرحلة وأخرى من مراحلها وأطوارها.

إنهم مثلاً يمجدون «إنجازات» الانتفاضة الأولى غير العنفية بنظرهم، فيما يحيلون إخفاقات الانتفاضة الثانية إلى كثافة استخدام العنف في فعالياتها. هنا، لا يلتفت هؤلاء بالعناية الواجبة للتباينات الكبيرة في البيئات المحلية والإقليمية والدولية التي حفت بكل من الانتفاضتين، وفرضت على المنتفضين تباينات موازية في وسائل الحركة والكفاح نزولاً عند مقتضى الحال.

من ذلك بلا حصر، نشوء السلطة الوطنية وابتعاد رموز الاحتلال من شرطة وجيش ومستوطنين بمسافة لا ينفع معها مجرد الرجم بالحجارة أو أشكال المقاطعة والعصيان،ولجوء إسرائيل إلى العنف المفرط عن بعد بما لا طاقة لبعض المنتفضين بتحمل السكوت عليه وعدم الرد بالعنف، وضمور الأطر المدنية الفلسطينية لصالح الفصائل والفصائلية السياسية التي سلبت هذه الأطر دورها الاجتماعى الاقتصادى التضامني المؤثر في مجرى المقاومة اللاعنفية.

كذلك يغفل السادة اللاعنفيون أنه لكي يحقق اللاعنف مراداته عبر مقاطعة العدو اقتصاديا، لابد من التوجه جدياً إلى فك الارتباط الاقتصادي والمالي مع مؤسسات هذا العدو، وتخليق الفرص والبدائل الذاتية لتخفيض ثمن هذا الانفصام.

شيء من ذلك حدث بالفعل زمن الانتفاضة الأولى. لكن تحولات وتجليات ما بعد موادعات أوسلو وتوابعها أعادت سيطرة إسرائيل اقتصادياً ومالياً على رقبة الضفة وغزة، بحيثية تجعل المقاطعة الفلسطينية وبالاً علي أصحابها وليس العكس!. أكثر من ذلك دلالة في هذا المضمار،وقوع الحالة الفلسطينية برمتها رهن المقاطعة إلى حد الحصار المطبق من جانب إسرائيل ومحازبيها الدوليين، الأمر الذي يجافي كلياً مناخ الانتفاضة الأولى ومتطلبات محاكاة نضالاتها اللاعنفية.

إلى هذا كله، هناك شروط ضرورية أخرى لنجاعة المقاومة المدنية، أبرزها يتصل بتماسك الأوضاع البنيوية للمجتمع المعني ومستوى التلاحم القيادي والانضباط الحركي والاستمرارية.

النظرية تشير بذلك إلى مدى وفرة المؤسسات التي تتركز فيها مواضع القوة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ومستوى صلابتها ووحدتها وتدفق الاتصال داخل كل مؤسسة منها وفيما بينها جميعاً..

كما تشير إلى أن وحدة القيادة، على مستويات التصور والحركة وصناعة القرار وطرح المطالب وتوزيع المهام والأعباء الميدانية، شرط لا غنى عنه لمجتمع يتطلع إلى مقاومة مدنية واعدة. ترى هل تأمل اللاعنفيون الواقع الفلسطيني القائم في ضوء هذه المحددات بمعزل نسبي عن التأثر بزمن الانتفاضة الأولي؟

الشاهد، أن هناك شكوكاً حقيقية تراود المرء حول ديمومة شروط ذلك الزمن. كيف لا، والانقسامات الداخلية تكاد تعصف بالوحدة التنظيمية وبقوة أطر المجتمع المدني، هذا دون الاستطراد إلى الانجراف الفلسطيني الشامل نحو مشارف الحرب الأهلية الضروس واستحالة الحديث عن الوحدة القيادية والحركية، النظامية عموماً، بعد أحداث غزة الدامية بين قطبي الحياة السياسية، حركتي فتح وحماس.

يزعم اللاعنفيون الانطلاق من التفكير العقلاني الواقعي، ونحن من هذا المنطلق ذاته نحثهم على استطلاع آفاق دعوتهم في الرحاب الفلسطينية، آخذين بعين الاعتبار الشديد ما يعتمل في تضاعيفها من مستجدات وتفاعلات وشروط واقعية منظورة.

الأكاتب وأكاديمي فلسطيني