زيارة الرئيس الفرنسي ساركوزي لروسيا أول أمس جاءت في توقيت غير متوقع للكثيرين، حيث احتلت أخبار تقارب الرئيس الفرنسي الجديد من واشنطن ودعمه لسياساتها وتأييده العلني لها صفحات وشاشات وسائل الإعلام في العالم كله وبشكل ملفت للنظر وكان ساركوزي يهرول بالقاطرة الفرنسية أسرع من الصوت نحو واشنطن، وربما احتلت هذه الأخبار في الإعلام العربي حيزا كبيرا وأكثر مما تستحق، وبدرجة تعكس إلى حد كبير مدى السطحية وعدم الموضوعية في الإعلام العربي في التعامل مع السياسة الدولية والعلاقات بين الدول الكبرى.

لقد تعامل الإعلام العربي مع توجهات ساركوزي نحو واشنطن ربما بسذاجة وسوء فهم أحيانا وربما بسوء نية أحيانا أخرى بهدف لإبراز وتضخيم قوة واشنطن ونفوذها حتى على الدول الكبيرة حتى يزداد خضوعنا نحن العرب لها، فرنسا ليست دولة من دول العالم الثالث المتخلفة التي يقودها الأفراد وليست المؤسسات والثوابت والاستراتيجيات طويلة المدى.

والسياسة الخارجية لدولة عريقة في النظام السياسي مثل فرنسا ربما تكون الأعرق في العالم، لا يمكن أن تتبدل بين عشية وضحاها بتغير الرئيس، والشعب الفرنسي الذي أعطى أصواته لساركوزي ليس مثل شعوب العالم المتخلفة المبهورة بالدعاية الأميركية والحالمة برضا البيت الأبيض عنها، هذه الأمور لا تنطبق على دولة مثل فرنسا التي وضعت أسس الديمقراطية الحديثة وأسست أقوى جمهورية في التاريخ ويعتبرها العالم كله منارة الثقافة والحضارة الغربية.

الآن هل يستطيع الإعلام الذي بالغ بشدة حول هرولة ساركوزي نحو واشنطن أن يفسر لنا أسباب زيارته المفاجئة لروسيا والذي أرسل وزير خارجيته كوشنير لموسكو في منتصف سبتمبر الماضي للتمهيد لها ولجس نبض الروس حول مدى قبولهم لها، ولو كان المبالغون تابعوا زيارة كوشنير لموسكو والتصريحات التي أدلى بها هناك والتي بدا فيها وكأنه يلتمس الرضا.

وتأكيداته على العلاقات الوثيقة والهامة بين البلدين وتصريحه بإلغاء تأشيرات الدخول لفرنسا للمواطنين الروس لعرفوا جيدا أن سياسات الدول الكبرى لا يحكمها الأفراد بل تحكمها المؤسسات والثوابت والمصالح الكبيرة المتبادلة، وما أكثر هذه المصالح بين روسيا وفرنسا بالتحديد وقد نمت بشكل كبير في عهد الرئيس شيراك للدرجة التي أقلقت واشنطن كثيرا خاصة بعد انضمام ألمانيا لهما، وأصبح مصطلح «الترويكا الأوروبية العنيدة» يعني الدول الثلاث معا.

ولم يكن تحرك شيراك تجاه روسيا نابعا من مواقفه تجاه واشنطن أو من قناعات شخصية لديه بقدر ما هو نابع من ثوابت قديمة في السياسة الخارجية الفرنسية التي وضع أسسها ديجول والتي لا يمكن لفرنسا بين عشية وضحاها أن تتخلى عنها، ففي عز سنوات الحرب الباردة كان ديجول يقول «إن أمن أوروبا لا معنى له بدون التنسيق مع موسكو».

ساركوزي في موسكو لأن المصالح بين الدول الكبيرة لا تخضع للدعايات السياسية والمبالغات الإعلامية، وعلاقات روسيا وفرنسا قوية ومتشعبة في مجالات حيوية وهامة للغاية بين الطرفين ومنها صناعة الطائرات ومصادر الطاقة وصناعة الفضاء الفرنسية التي باتت تعتمد على روسيا بشكل كامل وخاصة بعد أن وافقت روسيا على بناء مطار فضائي لها في فرنسا تقلع منه السفن والمركبات الفضائية بالتعاون مع وكالة الفضاء الفرنسية، وهو العرض الذي رفضت موسكو إعطائه لوكالة ناسا الأميركية التي ألحت كثيرا في طلبه.

من الممكن أن نسمع الكثير من التصريحات من ساركوزي يهاجم فيها سياسات الكريملين في الشيشان وكوسوفو وإيران وغيرها، ولكن هذا بالقطع لا يعني السعي لإفساد العلاقات مع روسيا إرضاءً لواشنطن، خاصة وأن واشنطن نفسها تربطها بموسكو علاقات ومصالح اقتصادية وتجارية لا تتأثر إطلاقا بالتوجهات السياسية.

عندما جاءت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للحكم بعد شرويدر راهن الكثيرون على انتهاء شهر العسل بين موسكو وبرلين، ولكن هذا لم يحدث، بل على العكس أصبحت ألمانيا ميركل أكبر المدافعين عن مصالح روسيا في أوروبا وأكبر المنتقدين لبولندا على انتقاداتها ومواقفها المناهضة لموسكو داخل الاتحاد الأوروبي، لدرجة أن ميركل صرحت علنا بأنه إذا أصر الاتحاد الأوروبي على موقفه فإن ألمانيا ستسير في علاقاتها مع روسيا للأمام بعيدا عن الجميع ولن تلتزم بقرارات الاتحاد.

زيارة ساركوزي لروسيا يجب أن تحظى من إعلامنا العربي بالتحديد باهتمام أكبر لأنها مؤشر توضيحي يساعدنا على الفهم العلمي والموضوعي لتوجهات السياسة الخارجية الفرنسية وثوابتها التي لا يستطيع الحاكم في قصر الإليزيه تغييرها، علينا أن نتخلى عن العواطف والانفعالات في الحكم على سياسات الدول الكبيرة ونتوقف عن قياس هذه السياسات فقط بمعيار تعاملها معنا نحن، بدون ذلك سنظل فاقدين لبوصلة توجهاتنا على الساحة الدولية ولن نستطيع وضع قضايانا في موضعها الصحيح.

elmoghazy@hotmail.com