الإحساس بالآخر، والاقتراب منه، ومعايشة آلامه ومعاناته، كل هذه أمور يضعها الكثيرون منا على قائمة اهتماماتهم، خصوصا في شهر كشهر رمضان الفضيل، حيث يكون الإغراء الفطري بمضاعفة الحسنات فيه دافعا للكثيرين منا ليكونوا أكثر ميلا ـ ربما لا شعوريا ـ لأعمال الخير على اختلاف أشكالها وأبوابها، لذلك يبدو أفراد المجتمع كأنهم عائلة واحدة كبيرة، وهو ما يشيع جوا من الحميمية بين الناس.
ويصدر أفراد مجتمعنا في ميلهم لأعمال البر عن قناعة أصيلة بأهميتها في تماسك المجتمع وتكاتفه، وهو هدف يغرسه فينا ديننا الحنيف، وتعززه عاداتنا وتقاليدنا التي نشأنا عليها، لما له من آثار إيجابية على مستوى الفرد والمجتمع.
ولأعمال البر أشكال كثيرة، يعضدها مفهوم «التكافل» الذي يجد صدى كبيرا وطيبا بين أفراد مجتمعنا، ولكن مجرى هذا الحديث لن يتوقف عند فكرة التكافل التي تعني تضامن أبناء المجتمع وتعاونهم فيما بينهم، سواء أكانوا أفرادا أو جماعات، حُكَّاما أو محكومين لاتخاذ مواقف اجتماعية إيجابية تجاه بعضهم البعض: كرعاية الأيتام، أو نشر العلم، أو غير ذلك، ليعيش الفرد في كفالة الجماعة، وتعيش الجماعة بمؤازرة الفرد، حيث يتعاون الجميع ويتضامنون لإيجاد مجتمع أفضل،.
ولدفع الضرر عن أفراده، بل سأسعى في هذه السطور إلى الكشف عن الأشكال المختلفة التي تظهر من خلالها روح الجماعة عند أفراد المجتمع الإماراتي، خصوصا مع وجود بعض الأقلام ـ والعدسات ـ التي تحب التركيز على جوانب محددة فيه، ـ وفي المجتمعات الخليجية عموما ـ في نقد يبدو وكأن الهدف منه هو إبراز السلبيات فقط، لأن اللغة تعكس ـ إلى حد كبير ـ قصدية مستخدمها، واختيار بعض الألفاظ دون بعض آخر قد يكون بالمعنى نفسه، مع تضمن اللفظ المختار إشارة سلبية لا يتضمنها اللفظ الآخر، لا بد أن يكشف عن رغبة الكاتب في تأكيد الدلالة السلبية المتضمنة في اللفظة المختارة، وإلا لما عزف عن غيرها مما يمكن أن يؤدي المعنى بحيادية.
والنقد الهادف لا بد منه لتطوير المجتمعات، وتحسين وضع الأفراد فيها على كافة المستويات، وحين يصدر بعض هذا النقد من أبناء البلد أو من المقيمين فيه فإنه يبدو في كثير من الأحيان بمثابة تنبيه وتوعية بالجوانب السلبية وبأوجه القصور، لتداركها وتقديم البدائل الأفضل لها، وهذا نوع من النقد يقع خارج إطار هذه السطور. أما النوع الآخر الذي يركز على الجوانب المعتمة في المجتمع الإماراتي ـ والخليجي عموما ـ ، أو يحاول فقط أن يظهر المفارقة بين الجانب المشرق جدا والجانب المظلم جدا، وكأن هذه المجتمعات هي أحد هذين الجانبين فقط، ولا توجد بينهما مساحة أخرى فهو المقصود في هذه السطور.
وسبب هذا الحديث هو بعض المقالات والرسائل الإلكترونية التي نجدها بين حين وآخر على بعض المواقع الإنترنتية ذوات التوجهات المختلفة، التي تصرّ على إظهار أن أفراد المجتمع الإماراتي يعيشون ـ جميعا ـ في قصور مشيدة، بعرق آخرين غيرهم، يكدّون ويتعبون كي يعيشوا مرفهين، وكأن المجتمع الإماراتي نفسه طبقة واحدة، تعيش بمستوى واحد، ولا تأبه بالآخرين، أو بما يكابده الآخرون في سبيل أن تعيش هذه الطبقة في راحة دائمة.
إن الذي يكتب هذه المقالات لا بد أنه يعيش خارج الإمارات، لأنه يتحدث عن أمر إن كان له وجه صحة في جزء منه، فإنه يفارق الصواب في أجزاء كثيرة، أو أنه يعيش في الإمارات، ولكنه ينظر بمنظار واحد، يريه ما يريد أن يراه ويحجب عنه ما يريده أن يُحجَب، فحين نجد مقالا ـ وهذا مثال واحد من عدة أمثلة أخرى ـ يتحدث عن الخيام الرمضانية في إحدى إمارات الدولة، ويقول إنها نوعان: نوع بسيط وغير مكيف للفقراء «الذين يشيدون ناطحات السحاب التي تشتهر بها...»، وعددهم بالآلاف يتكالبون على وجبات الإفطار البسيطة المجانية التي تقدمها الجمعيات الخيرية، ونوع فاخر جدا لا يستطيع دفع رسوم دخوله إلا الأغنياء جدا، وهذا النوع من الخيام يوجد في الفنادق غالبا!
إننا حين نقرأ مثل هذا القول، ونرى الانتقائية الواضحة فيه، إذ أغفل شرائح كثيرة تندرج بين هاتين الشريحتين وجعل المجتمع الإماراتي منقسما إلى قسمين لا ثالث لهما، لا يمكن أن نقبله بوصفه نقدا موضوعيا.
ويستشهد هذا المقال بقول إحداهن إنها تذهب كل ليلة تقريبا لإحدى الخيام الرمضانية الفاخرة الموجودة في أحد أكبر الفنادق! وهذا ما قد يوحي بأن هذا هو نمط حياة أفراد مجتمعنا، ولكن الواقع أن رأي هذه السيدة لا يمثل المجتمع الإماراتي كله، ولا يعني أن أفراد مجتمعنا لا يجدون ما يفعلونه من بعد الفطور حتى السحور إلا الجلوس ـ كل ليلة ـ في هذه الخيام الرمضانية لقضاء الوقت في الأكل والشرب والاستماع للموسيقى، فلرمضان عندنا الكثير من الطقوس الدينية والاجتماعية التي لا يزال الشعب الإماراتي في جملته محافظا عليها، ولا يعني عدم التزام فئة بها زوالها نهائيا. إن انتقائية العينة أيضا تكشف عن عدم موضوعية بعض المقالات.
وربما لا أفارق الصواب إن زعمت أن عددا كبيرا من أفراد المجتمع الإماراتي هم من الطبقة المتوسطة، التي لا يمكن أن ندرجها لا ضمن الشريحة الأولى ـ أصحاب الخيام الفندقية ـ ولا ضمن الشريحة الثانية ـ أصحاب الخيام الخيرية ـ، ويمثلون فئة كبيرة على الرغم من وجود فوارق أيضا فيما بينهم، لكنها الفوارق التي تُخفي نفسها بنفسها إزاء محافظة عدد من هذه الأسر على العادات الأصيلة التي تجعل الإنسان يشعر بأنه يعيش في خير ونعمة طالما أنه يعيش بين جيرانه وأقاربه، ولا يشعر بأنه محتاج إلى شيء طالما أنه متأكد أن حوله عدة أبواب من الممكن أن تُفتح له في أي لحظة طرقها.
ولعل العمالة الآسيوية الموجودة في المجتمع الإماراتي ـ والتي تسعى الكثير من الأقلام والعدسات إلى التركيز على معاناتها من أجل الحصول على الرزق في بلادنا، وهي معاناة قد يكون لها وجه من الصحة أحيانا ـ تعيش في كنف كثير من العائلات الإماراتية كفرد من أفرادها، لا يفرق فيها أرباب الأسر بين العامل والولد في توفير أسباب العيش الكريمة له، من طعام وسكن نظيفين، بالإضافة إلى الاحترام والمعاملة الإنسانية، وهذا لا يعني أن جميع أفراد المجتمع الإماراتي على خلق واحد، ومزاج واحد، ونفسية واحدة، ولكن هذا ما يمكن أن يكون ملمحا مشتركا بينهم.
وإذا انتقلنا إلى الدراما الرمضانية سنجد أنها في أحيان كثيرة تقدم صورة مغايرة لواقع المواطن الخليجي عموما، إذ يظهر الخليجي فيها جشعا، مبتزا، ناكرا للمعروف، جاحدا لفضل والديه عليه، أنانيا، لا تهمه إلا مصلحته الشخصية، وهذا يتعارض كثيرا مع ما يُعرف عن الشعب الخليجي الذي يحمل من طباع البدوي العربي القديم الكثير، إذ يفخر حتى اليوم بأنه «يكرم جاره ما دام فيه ويُتْبِعه الكرامة حيث مالا»، فكيف يظهر الخليجي في أكثر من مسلسل «خليجي»، لعدة سنوات متتالية، جاحدا لحقوق أقرب الناس إليه، ناهيك عن حقوق الآخرين؟
ربما أصبح من واجبنا أن نعيد تقديم أنفسنا للآخرين بصورة أفضل، تعكس مجتمعنا بجميع ما فيه من إيجابيات وسلبيات، وألا نرضى بأن نظهر أنفسنا، أو أن يظهرنا الآخرون، بوصفنا أناسا أقرب إلى المادية من جهة، والآلية في التعامل مع الآخرين من جهة أخرى، وكأننا جُردنا من جميع الأحاسيس الإنسانية النبيلة، والنوايا الخيرة.
جامعة الامارات