عندما قرأت قبل أيام تقريراً يتهم البنك الدولي بتدمير غابات الكونغو، تذكرت مقولة الاقتصادي النمساوي - الأميركي الأشهر جوزيف شومبيتر (1883- 1950) يؤكد فيها أن الرأسمالية إذا تركت وشأنها فإنها يمكن أن تدمر الحضارة الليبرالية، ومن ثم فلا بد من استئناسها.

قصة تدمير البنك لغابات الكونغو وهي ثاني أكبر غابات العالم بعد الأمازون، وتستهلك 8% من الكربون الموجود في الكرة الأرضية لا تخلو من دلالات، كما أن الأمر لا يحمل أي نوع من المبالغة إذ ان الاتهام لم يأت من جهة معادية للبنك الدولي.

وإنما من لجنة مكونة من مسؤولين بالبنك الدولي وخبراء من خارجه، وذلك عقب تظلمات تقدم بها تحالف يضم 12 مجموعة من سكان تلك الغابات المعروفة باسم قبائل الأقزام «البيغمي» والتي تعيش على صيد الحيوانات، وينظر إليها على أنها تمثل السكان الأوائل للمنطقة، وأكدت التظلمات أن ما حدث لهذه الغابات التي يعتمد عليها نحو أربعين مليون شخص لايمكن إصلاحه.

مالم يقله تقرير خبراء البنك تكفلت به منظمة السلام الأخضر، فالبنك الذي يفترض فيه الحفاظ على البيئة العالمية تصرف بطريقة «أغنياء الحرب» ويبدو أن هذا نهجه الدائم، لكننا لا نريد تصديق ذلك، ونظر إلى مسألة قطع الغابات على أنها «مشروع استثماري»، فالمؤسسة المالية الدولية.

وهي جزء من البنك الدولي كانت الممول الرئيسي لشركة مقرها سنغافورة (شركة اولام الدولية) وبلغت حصة المؤسسة في رأسمال الشركة نهاية عام 2006 نحو 2, 11 مليون دولار أميركي، وذلك إضافة إلى بنوك تجارية عالمية صاحبة اسم كبير في عالم المال، ولا تخلو حملاتها الإعلانية من ادعاء صداقة البيئة.

وفضلا عن شكاوى سكان الغابات المتضررين مباشرة من الجريمة فإن ما فجر الموضوع هو اختلاف «اللصوص» فقبل أسابيع قليلة اوقفت السلطات الكونغولية إبحار عدة مراكب تعود لشركة أولام كانت تحمل ما قيمته 500 ألف دولار أميركي من اخشاب الاشجار التي قطعت بطريقة غير مشروعة، وذلك بسبب عدم قيام الشركة بدفع الضرائب، ومع ذلك استمر البنك الدولي في تغطية أفعال المؤسسة المالية الدولية وشركة أولام بحجة انهما لا تخالفان القانون. وعلفت منظمة السلام الأخضر ساخرة بالقول: «يبدو أن اليد اليسرى للبنك الدولي لا تعرف ما تفعله اليد اليمنى»!

في سياق كهذا تكتسب التقارير التي تتحدث عن قيام البنك الدولي بتخريب اقتصادات الدول التي يضع يده عليها مصداقية كبيرة، فالروشتة التي يفرضها البنك مع توأمه صندوق النقد على الدول التي تحتاج قروضا تقود في أغلب الحالات إلى كارثة، إذ تؤدي إلى اتساع دائرة الفقر وزيادة حدة البطالة وتعيد توزيع الدخول والثروات بما يقود إلى خلق طبقة من رجال الأعمال الجدد الذين يقومون بأنشطة طفيلية محدودة الإنتاجية، كما تقلص دور الدولة وتخلق ما يسمى بحكومات الحد الأدنى مما يخلق حالات فساد وغضب اجتماعي تقود في النهاية إلى ممارسات تطرف وعنف، حدث ذلك في مصر وتركيا.

وفي عدد من دول أميركا اللاتينية وربما يكون البنك والصندوق هما السبب المباشر في اكتساح مرشحين يساريين للانتخابات وصعودهم إلى سدة السلطة في جزء كبير من القارة، لأنهم تبنوا استراتيجية جديدة للتنمية أساسها مكافحة الفقر والانحياز للطبقات الفقيرة والمتوسطة مقابل روشتات البنك والصندوق التي أفقرت مجمل الطبقة العاملة وشرائح واسعة من الطبقة الوسطى.

وفي نهاية المطاف قامت هذه الدول في مايو الماضي بتأسيس «بنك الجنوب» الذي يفترض أن يكون بديلا لدى هذه الدول عن المؤسستين اللتين أذاقتهما مر الحياة على مدى العقود الماضية.

ومع تزايد حالات الفساد داخل البنك الدولي والإفساد في الدول التي تحل بها لعنته تبدو التقارير التي يصدرها البنك ويدعو فيها إلى تحقيق العدالة والشفافية مثيرة للسخرية، مما دفع جاسم زكريا (أستاذ القانون الدولي بجامعة دمشق) إلى القول: «مكافحة الفقر والعدالة ومكافحة الفساد وغيرها من الشعارات، ليست إلا خدعا (بنك دولية) يستهدف النفاذ بها إلى غايات أخطر».

ولم يتوقف الشك عند حد السياسات وروشتات الإصلاح التي تقود في الغالب إلى خراب، بل امتد إلى من يمكن وصفهم بـ «تلاميذ البنك الدولي» وهم مجموعة ممن تدربوا في البنك وأصبح لديهم ولاء لسياساته ثم عادوا إلى بلدانهم وتولوا مناصب يقودون من خلالها دفة المال والاقتصاد فيها.

ففي كتاب بعنوان «جهابذة الوهم» تحذر كاثرين كوفيلد وهي صحافية وباحثة من هؤلاء مؤكدة انهم يعملون على إصدار تشريعات تحث على اقتراض دولهم من المؤسسات المالية الدولية، كما يرتكبون مخالفات كبيرة في نظم الشفافية والمحاسبة، وينشرون المحسوبية بحيث تصبح الدوائر المالية المختلفة مرتعاً للأصحاب والأقارب بشكل مخيف.

هكذا لا يكتفي البنك بدور المؤذي والمدمر بشكل مباشر، وإنما يوزع الإيذاء والتدمير عبر شبكة من «العملاء» تدمن كل عدة عقود تحويل دول الكرة الأرضية إلى سوق عالمية متمحورة حول حاجات ومصالح القوى الغربية، هذا ما حدث بدايات القرن العشرين ويتكرر اليوم بصورة أكثر توحشاً.

magdishendi@hotmail.com