عندما تأتي لمناقشة ملف التعليم العالي في الوطن العربي، ستتمثل أمامك بعض الحقائق التي مازالت تكشر عن أنيابها في واقعنا العربي والتي نذكر منها التالي:
أولاً، قضية المقارنة بين الجامعات الغربية والأميركية وبين الجامعات العربية باعتبار أن الأولى نموذج يجب الاقتداء به في سبيل النهوض بمستوى التعليم العالي في الوطن العربي.
ثانيا، قيمة الشهادة الجامعية في ذهن المواطن العربي، فما زالت قيمة هذه الشهادة هي مطمح معظم المواطنين في حصول أبنائهم عليها بغض النظر عن مدى إمكانية حصول أبنائهم على وظيفة بعد التخرج، وهي في هذا الإطار لا تنطلق أكثر من كونها وجاهة اجتماعية لا أكثر، الأمر الذي يؤدي إلى احتقار التعليم المهني أو الشهادات المتوسطة على الرغم من حاجة سوق العمل لها خاصة في ظل التطورات الاقتصادية التي تشهدها بعض الدول العربية.
ثالثا، موضوع الميزانيات وتطوير المناهج التعليمية؛ فقضية الإنفاق على مستوى التعليم دائماً من القضايا الحيوية التي تتصدر قائمة الخبراء التربويين، ودائماً ما تشير الأرقام أن هناك نقصا أو بالأحرى تفاوتا بين البلدان العربية في ما يتعلق بالإنفاق على ميزانيات تطوير التعليم، باستثناء بعض الدول العربية كالأردن ودول الخليج العربي التي زادت من مخصصات الإنفاق على التعليم.
فقد كشفت دراسة أطلقها مركز دراسات الاقتصاد الرقمي (مدار) أن حجم الإنفاق على قطاع التعليم في دول الخليج العربي قد وصل إلى 26 مليار دولار أميركي في العام الماضي، بالطبع جاءت هذه الزيادة نتيجةً لالتزام دول المنطقة بتطوير أنظمتها التعليمية ونتيجة لعائدات النفط المرتفعة التي شهدتها المنطقة خاصة بعد حرب العراق؛ كما توقعت دراسات تربوية أن حجم الإنفاق على التعليم في دول الخليج العربي سيتجاوز حد الـ 35 مليار دولار بحلول عام 2008.
أما عن تطوير المناهج التعليمية التي أصبحت الشغل الشاغل للقائمين على التعليم في مختلف أقطار الوطن العربي فقد جاءت بدرجة كبيرة نتيجة ضغوط خارجية ولاحقاً نتيجة التطور الاقتصادي الذي أصبح العنوان الرئيسي للتنمية في معظم أقطار الوطن العربي.
رابعاً، قضية تقنين القبول في الجامعات الحكومية في ظل ازدياد عدد الطلبة مما فتح المجال أمام رأس المال الخاص لتأسيس العديد من الجامعات الأهلية والخاصة، وهذا الأمر أشد ما يكون واضحاً في دول الخليج ومصر والأردن.
خامساً، أعداد الطلبة الذين يتم تخريجهم سنوياً من الجامعات وخاصة الأقسام الأدبية منها والتي لا تتماشى مؤهلاتهم مع الاحتياجات الفعلية لمتطلبات المجتمع التي أصبحت هذه المتطلبات في جزء كبير منها اقتصادية كما أشرنا أعلاه.
وبالتالي يكون مصير جزء من هذه الفئة التعيين في مواقع عمل لا تمت بصلة إلى نوعية دراستهم وتخصصهم أو التحول إلى عالة على المجتمع ناهيك عن انخراط جزء كبير منهم في طوابير البطالة التي أصبحت تضيق بها دول الوطن العربي.
والحقيقة أن الحديث عن الحقائق التعليمية لا ينتهي أبداً، لذلك وجبت الإشارة إلى بعض الملاحظات التالية الهامة في وجهة نظرنا:
أولاً، يجب ألا تعقد مقارنات بين وضع التعليم في الجامعات الأميركية والأوروبية وبين وضع الجامعات في الدول العربية؛ فمعيار العراقة التاريخية يختلف، ولا بد أن يميل في كفة من هو أعرق بحكم التقادم التاريخي ومراحل التطور المختلفة التي مرت بها المجتمعات الغربية.
والتي كانت وثيقة الصلة بتطور التعليم. ولكن التجربة في الوطن العربي مازالت متواضعة، فجامعة القاهرة التي تعتبر من أعرق الجامعات في الوطن العربي احتفلت منذ فترة قريبة بعيدها المئوي، ناهيك على أن التطور في المجتمعات العربية وخاصة في المجتمعات الخليجية التي تشهد معدلات سريعة وعالية في مقاييس النمو وخاصة الاقتصادي لا تعطي فرصة أبداً ليواكب التعليم مجرياتها.
إذاً تعتبر المقارنة ظالمة ولن تخدم أبداً مجال المقارنة والتعميم بين النتائج، الذي ينتهجه العديد من المحللين التربويين العرب، قضية النهوض بالتعليم العالي.
ثانياً، فيما يتعلق بتطوير المناهج التعليمية فهي بالفعل في حاجة للتطوير، وخاصة في ما يتعلق بالدراسات العلمية والتطبيقية، فأذكر فيما أذكره عن سنوات الدراسة إنه كان يتم تلقيننا النظريات الرياضية والمعادلات الكيميائية والقوانين الفيزيائية وكأننا نحفظ نصوصا وأناشيد دون أن يتم الاهتمام بالتطبيقات والدلالات العلمية لها، فالعلوم التطبيقية بالفعل بحاجة إلى تطوير نوعي.
ثالثاً، يجب أن يلتفت القائمون على شؤون التعليم لقضية اللغة فيما يتعلق بالدراسات الإنسانية والاجتماعية، فمن الخطأ الشنيع أن يتم تحويل الدراسة في هذا المجال من اللغة العربية إلى اللغة الانجليزية، فرجاء انتبهوا ثم انتبهوا إلى هذه القضية، وأعيدوا حساباتكم مرات ومرات، فاللغة أولاً وثانياً وأخيراً هي هوية وحضارة ووجود.
ورابعاً، من يصف الدراسات الإنسانية بأنها لم تعد مهمة بحجة أنها لا تخدم سوق العمل فهذا افتراض خاطئ، فالدراسات الإنسانية هي المعنية بالدرجة الأولى والأخيرة عن صياغة الفكر وخدمة المجتمع بإمداده بالبحوث والدراسات اللازمة لعملية النهضة اللازمة ومراقبة مؤشرات التنمية وضبط سلوكها وذلك بالدراسات المتعلقة بتقديم الحلول اللازمة لمختلف المشكلات التي تعتري المجتمع. فالمجتمع ليس سوقاً أو سلعاً أو استهلاكاً واستثماراً وبورصة فقط، وإنما يصاحب هذه المظاهر الاقتصادية مظاهر ومشكلات اجتماعية وفكرية وسياسية تعج بها بلداننا العربية.
فالجامعات الغربية والأميركية التي يشار لها بالبنان اليوم تهتم بالدراسات الإنسانية والفكرية كاهتمامها بالدراسات التطبيقية. وتجد المنتسبين إليها منتشرين في كافة أرجاء المجتمع ابتداء من الهرم الرئاسي إلى بقية أرجاء المجتمع. أما أن يغلب الجانب التقني والتطبيقي على الجانب الفكري بحجة أن هذا متطلب السوق فهذا تفسير خاطئ وعواقبه ستكون وخيمة.
فيكفي اليوم أن تلقي نظرة على تفكير الأفراد في المجتمع فستلاحظ أنه أصبح تفكير مادي بحت وأصبحت الأفكار والمشاريع تدور فقط على الجوانب التجارية والمادية، فهناك دعم وتشجيع وتسهيلات تصب في هذا الاتجاه، بعكس جوانب البحث في المجال الفكري فمازال نطاق الاهتمام فيها ضيق وهنا دعوة لفتح باب التشجيع في هذا المجال ابتداء من الاهتمام بكليات الإنسانيات، وانتهاء بتشجيع البحث في هذا الإطار. صحيح أنشئت وخصصت جوائز أدبية ومادية في هذا المجال.
ولكن عندما ينظر لطبيعة هذه الجوائز بناء على شروطها ونتائج الأعوام المقبلة يتيقن إنها بعيدة عن الطموح الوطني المطلوب. فقضية التعليم العالي في الوقت الراهن هي في كيفية تحقيق الموائمة بين متطلبات السوق والتنمية وما بين الجوانب الفكرية باعتبارها صمام الأمان لحفظ المجتمعات من الأخطار، فهل المجتمعات العربية ستلتفت إلى هذا الافتراض أم ستواصل سعيها في تغليب الاهتمام بالجوانب المادية والتقنية البسيطة والمهتمة فقط بالمظاهر الخارجية على الجانب الأدبي والفكري؟
مركز زايد للتراث والتاريخ