يصح أن يطلق على الشرق الأوسط ما يطلق عادة على مثلث برمودا: بأنه المثلث الذي يبتلع كل من يجرؤ على الاقتراب منه. وإذا أصبحنا لا نصدق خرافة مثلث برمودا، فعلى الأقل هناك حقيقة علمية بخصوص صحراء الربع الخالي، التي تحتل الثلث الجنوبي من شبه الجزيرة العربية. فهذه البقعة من الأرض يصعب حتى يومنا هذا تطويعها من قبل الإنسان، وكل من يجرؤ على المغامرة فيها قد يجد نفسه في نهاية المطاف إما هالكا من العطش أو ميتا من الجوع أو غائصا في رماله المتحركة.
والشرق الأوسط كأسطورة برمودا وخطورة الربع الخالي، يعتبر منذ بداية التاريخ من أصعب مناطق العالم تطويعا وترويضا. فالأحداث التي مرت بهذه المنطقة تجعله أشبه بأساطير الخيال العلمي والأدبي. وحيث اننا لسنا هنا بصدد سرد تاريخ المنطقة الذي يحتاج إلى آلاف المجلدات المفصلة، إلا أننا نلحظ أن العديد من الدول التي ما زالت طامعة في هذا الموقع الجغرافي المتميز لم تأخذ العبرة من تاريخ المنطقة الطويل والمتشعب.
فقد كان من السهل جدا أن يتم احتلال القارة الأميركية من قبل الأوروبيين وتحويلها إلى دولة عظمى شبيهة بدول أوروبا الاستعمارية يقطنها الجنس الأبيض ذو العيون الزرق والخضر ولو على حساب الملايين من سكانها الأصليين الذين تمت إبادتهم عن بكرة أبيهم.
وبالفعل، نجحوا في ذلك .
وفي أقل من لمح البصر واستقروا وغيروا وبدلوا ما شاءوا فيها أن يبدلوا وأصبحت ذات طبيعة مختلفة عن جذورها الأصلية. غير أن الأمر ليس كذلك حينما نتحدث عن مساحة الشرق الأوسط. فهذه المنطقة اكتسبت مناعة غير طبيعية ضد التغيير. وأصبح ترويضها من المعجزات.
نحن لا ننكر بأنهم ربما نجحوا في احتلالها لبعض الوقت، أو استعمارها لفترة من الزمن، أو نهب خيراتها دون حسيب أو رقيب، ولكنهم سرعان ما قرروا العودة إلى من حيث أتوا بخفي حنين. وصحيح أن معظم دول الشرق الأوسط والعربية منها بالذات أصبحت (رغم استقلالها عن الاستعمار الغربي منذ أمد طويل) أشبه ما تكون بقطع الشطرنج في يد الدول العظمى تلعب بمصائرها كما تشاء وتحركها متى تشاء وتضعها حيث تفرضها مصالحها واستراتيجياتها، إلا أن ذلك لم يتعد خطوط الرموز السياسية التي تدير شؤونها، ولم تصل ولن تصل إلى عمق نفسية شعوب المنطقة التي يراد لها أن تصبح نسخة مكررة من الهنود الحمر.
وربما لم تدرك معظم تلك الدول ذات التوجهات الاستعمارية الجديدة بأنه قد فات الأوان وأن الشعوب العربية بالذات تشكل قنابل موقوتة بدأت تنفجر بشكل تدريجي هنا وهناك. وأن التعامل مع هذه القنابل أشد خطرا من قنابلهم النووية برمتها. وأن عليهم الابتعاد قدر الإمكان عن شراستها التي لا ترحم أو التعامل معها بذكاء.
غير أننا نكتشف أن هذا الربع الخالي من الشرق الأوسط يتمتع ليس فقط بجاذبية جيولوجية تبتلع كل من تسول له نفسه الاقتراب من حوافها الخارجية، بل أيضا جاذبية (نفسية) إذا صح التعبير، تجر جرا كل من يقترب منها. فهي تتمتع بقوة إغراء الارتماء في أعماق حفرها دون معرفة السبب الذي يختبئ وراء ذلك. فقد فر الإنجليز في الستينات من المنطقة وهم يعلمون أن تحتها بحارا من النفط، خوفا على أنفسهم من ظاهرة الابتلاع هذه!
وفر الفرنسيون والطليان والألمان والأسبان من بعدهم لنفس الأسباب تقريبا. وجاء دور الولايات المتحدة التي كررت نفس الخطأ بالتعامل مع ظاهرة تعتبر حسب رأي المحللين أشد خطورة وغموضا من مثلث برمودا الذي يقع على مقربة من سواحل فلوريدا الجنوبية الشرقية. وحصل ما حصل في أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين.
لكن تأثير تلك الجاذبية جعلتهم يصرون على البقاء رغم ازدياد عدد الموتى بين صفوفهم. ولم تمض 3 سنوات حتى عاد الأميركيون يعيدون حساباتهم من جديد ويضربون أخماسا بأسداس لإيجاد مخرج نهائي لهذا الموقف المحير. وكما بحثت بريطانيا الاستعمارية في نهاية الستينات عن منقذ لها يحتل مكانها لتتمكن من الفرار بجلدها (حيث يبدو أنه لا سبيل للخروج من هذا الربع الخالي إلا بإيجاد بديل آخر يحل محله)، نجد الولايات المتحدة اليوم تبحث عن هذا البديل الذي رفض الجميع القيام بدوره، فوجدته في أكثر شعوب الأرض رومانسية وتخوفا من العنف:
الشعب الفرنسي، الذي كانت له في الجزائر في يوم ما تجربة سابقة قاسية لا تنساها ذاكرة الفرنسيين، تجربة كلفت هذا الشعب ثمنا باهظا، وكذلك الأمر في فترة الوصاية على سوريا ولبنان وما لاقوه من الأمرين. وقد حاول الرئيس الفرنسي السابق والذي قبله والذين سبقوهم التعامل مع هذا المربع المحير بكثير من الحذر والارتياب وتجنب الانجذاب كثيرا لمغريات (الابتلاع) الجغرافي والسياسي في المنطقة.
والاكتفاء بتأمين بعض المصالح التجارية والنفطية لا أكثر. إلا أن سحر الشرق يبدو أنه أصعب من أن تقاومه أحلام الرومانسيين الجدد. فما كاد الرئيس الفرنسي المنتخب يعود من رحلة استجمامه البحرية حتى بدأت تجذبه فيما يبدو صورة الرمال المتحركة. وإذا بالتصريحات تلو التصريحات، واللقاءات تلو اللقاءات وكلها بهدف تلبية صراخ الولايات المتحدة الأميركية التي أخذت رمال العراق تبتلع جنودها المدربين أحسن تدريب.
حتى بريطانيا العظمى التي أول وآخر من دعم وشجع وشارك الولايات المتحدة بكل ما تملك لأجل غزو العراق بدأت تحزم أمتعتها على عجل من جنوب العراق بعد أن خسرت كل شي فيه، والتي اعتبرها الكثيرون بما يشبه اللحظات الأولى للعودة للوعي بعد فقدان الوعي المفاجئ. ومع أن بريطانيا كانت قد لدغت سابقا في العراق، مع هذا أصرت على أن تلدغ مرتين وثلاث وأربع. لكن، أولم تلدغ فرنسا في الشرق الأوسط من قبل ؟ فيا ترى ما هذا السر الغامض الذي يجعلها ترمي فجأة في البحر حجر التوازن الذي كان يحافظ على مسير سفينتها في الشرق الأوسط؟
وما يدعو للدهشة أن مثل هذه النقلة يقوم بها رئيس جديد ليست له خبرة سابقه في شئون المنطقة! فهل سينجح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي حيث فشلت السياسة الأميركية والبريطانية قبله؟ وهل نفهم من الاهتمام الفرنسي بالمنطقة من حيث وضع (وليس فقط اقتراح) الحلول وتوزيع الأدوار والتدخل في قضايا يبدو أنها لا تهم فرنسا أكثر من غيرها وتوجيه الاتهامات، والتهديد بضرب دولة كإيران ومن ثم التراجع إلى محاصرتها بعقوبات تفرضها دول الاتحاد الأوروبي وغيرها من الأمور التي فاجأت العديدين من المحللين السياسيين بأننا لا نفهم خارطة التاريخ كما يفهمها الرئيس الفرنسي؟
من المؤكد أنه لا يخفى على الرئيس الفرنسي المنتخب حديثا بأن فرنسا لا تملك ولم تملك في يوم من الأيام لا من القدرات والعسكرية والإمكانيات المادية واللوجستية ولا من المناورات الدبلوماسية والعملاء السريين ما يؤهلها لتعلب دور الشرطي في المنطقة أو أن تعيد تمثيل دور الولايات المتحدة الأميركية في العالم، وبالتالي ستضع نفسها في موقف لا يحسدها عليه أحد إذا ما حاولت أن تفرض هيمنتها على منطقة تمتد من موريتانيا والمغرب إلى الخليج والعراق وإيران وأفغانستان.
فإذا كانت دولة بحجم الولايات المتحدة وترسانتها وأساطيلها ومخابراتها اضطرت للاستعانة بمؤسسات وشركات خاصة مرتزقة كشركة بلاك ووتر لحماية سفيرها في المنطقة الخضراء المحاطة بأكثر الأجهزة الالكترونية تعقيدا في العالم، ولم تستطع إلى هذه اللحظة أن تفرض سيطرتها حتى على شارع واحد من شوارع بغداد، فكيف بفرنسا المنقسمة على نفسها؟ إذن ما الذي يحرك هذا الاندفاع الفرنسي المفاجئ نحو هذا الربع المبتلع من العالم؟ هل هي الرغبة في المغامرة؟ أم ذكريات الاستعمار القديم؟ أم الإحساس بالقوة الذي يراود كل من يتولى منصبا جديدا ورغبته في التغيير وفي الإتيان بما لم تستطعه الأوائل؟!
الأسئلة التي تطرح اليوم حول سبب هذا الاندفاع الفرنسي المفاجئ والانحراف غير المتوقع في سياسة تعاملها مع منطقة الشرق الأوسط لا تجد جوابا شافيا. ففرنسا لم تتأثر كثيرا بالكره العربي والإسلامي بسبب سياستها شبه المتوازنة في هذه الرقعة من العالم ولرفضها التدخل في شئونها الداخلية أو في فرض هيمنتها ورأيها عليها.
اليوم هناك أكثر من جهة ومنها جهات كانت تكن كل الاحترام لمواقف فرنسا المتوازنة، وجهات أخرى ذات طابع ديني متطرف وجهات ثالثة لا تفهم إلا فلسفة الجهاد والقتال للدفاع عن استقلال الدول الإسلامية، كلها بدأت تضع فرنسا على قائمة الدول المعادية لها منذ تصريحات رئيس فرنسا الحالي قبل وبعد وأثناء الانتخابات التي أعلن فيها تأييده ودعمه الصريح والمعلن لسياسة إسرائيل واختيار تكتيك التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية.
قد تكون وجهة نظر الرئيس ساركوزي السياسية مبنية على حسابات ومعادلات يجهلها البسطاء في عالم تتعقد فيه المصالح....
ولكننا ربما لا نخطئ حين نقول بأن المنطقة برمتها والتي تشبه إلى حد بعيد مثلث برمودا ورمال صحراء الربع الخالي أخطر من أن نغامر بحياتنا فيها من أجل حفنة من الامتيازات أو المصالح التي يمكن الحصول على أكثر منها بطرق أكثر أمانا وسلامة.
جامعة الإمارات