طالبت تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية العرب (بعدم عرقلة أي تنازلات قد يقدمها الفلسطينيون في مفاوضاتهم مع إسرائيل) ونصحت الدول العربية (بالاندماج في عملية سياسية في إطار تطبيع تدريجي في العلاقات مع إسرائيل بدلاً من انتظار نهاية العملية السياسية) وأطلقت على تصريحاتها هذه صفة الصفقة.

من الواضح أن هذه التصريحات تهدف لعقد صفقة مع العرب ولا تنشد حلاً متوازناً موضوعياً يقيم سلاماً عادلاً وشاملاً لأن هذا التعبير أعني (السلام العادل الشامل) أصبح من مخلفات الماضي حسب السياسة الإسرائيلية، التي تريد إنهاء مئة عام من الصراع بعقد صفقة متأثرة كما يبدو باللغة التجارية واقتصاد السوق. وربما تعتمد على التراجع التدريجي في مواقف العرب من صراعهم مع الصهيونية من قبل، ومع دولتها من بعد، حيث اضمحلت مطالبهم إلى ما يشبه اللاشيء.

لقد انتهت حرب عام 1948 باتفاقيات الهدنة التي رسمت حدوداً مؤقتة مع الدولة اليهودية ثم بدأت الحكومات الإسرائيلية تخالف هذه الاتفاقيات وتغيّر الحدود وتقضم أرضاً جديدة، ويتنازل العرب بالمقابل عن حقهم، فبعد قرار التقسيم خسروا مزيدا من الأراضي وسكتوا، ثم تجاهلوا تغيير حدود الهدنة وتنازلوا، وبعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 قبلوا مرور إسرائيل في مضائق البحر الأحمر وتراجعوا عما كان.

وبعد عدوان حزيران قرروا في الخرطوم لاءاتهم الثلاثة (لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف) لكنهم بعد حرب أكتوبر تناسوا هذه القرارات، ثم وقعوا اتفاقيتي كامب ديفيد ووادي عربة وبهما ما بهما من التنازل والاعتراف والتطبيع وتبادل التمثيل الدبلوماسي مع بعض البلدان العربية، وقبلوا في مؤتمر مدريد 1991 الأرض مقابل السلام، وتبع ذلك اتفاقيات أوسلو مع منظمة التحرير التي (طبعّت) العلاقات عملياً بين إسرائيل والفلسطينيين.

وفتحت الباب لبعض العرب لتبادل فتح مكاتب علاقات مع إسرائيل وتغيير أسس المقاطعة وغض النظر عن دخول البضائع الإسرائيلية بلدانهم، وتكرر التقاء السياسيين والدبلوماسيين العرب مع نظرائهم الإسرائيليين، ورغم هذا التراجع كله لم تغير السياسة الإسرائيلية مواقفها لا تدريجياً ولا كلياً، فاحتلال الأراضي الفلسطينية مازال قائماً بل أعفت اتفاقيات أوسلو إسرائيل من مسؤولياتها تجاه الحياة اليومية للفلسطينيين من تشغيل وتسهيل سبل العيش وتعليم وصحة وشؤون اجتماعية وغير ذلك.

ونصّبت في الضفة الغربية وحدها أكثر من خمسمئة حاجز بين المدن لتعذيب الناس ووضع الصعوبات أمام تنقلهم وتواصلهم، ومازالت دورياتها تداهم المدن والبيوت وتعتقل من تشاء وتقتل من تشاء، وقد تجاوز عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية أحد عشر ألف سجين، وأعادت تنظيم القدس الكبرى التي أصبحت تضم مع ملحقاتها ما يقارب ربع مساحة الضفة الغربية واعتبرتها عاصمة إسرائيل.

واحتلت مساحة الطرق الالتفافية حول المستعمرات قسماً كبيراً من أراضي الضفة الغربية، وبلغ عدد المستوطنين في الضفة مئات الألوف، وقضمت المستعمرات ليس فقط أراضي الدولة بل الأملاك الخاصة، وبنت سياج فصل عنصري تحت شعار الأمن وهو في الواقع مقدمات للحدود النهائية التي ترمي إليها، ومازالت الحكومات الإسرائيلية ترفض حتى مجرد البحث في مشكلة اللاجئين فكيف بعودتهم، وبالمقابل مازال العرب يتراجعون ويتنازلون، فبعد اللاءات الثلاثة آنفة الذكر أتت الاتفاقيات ثم التواصل ثم التطبيع الخفي .

ولم يبق لدى العرب سوى بقية باقية من عدم التطبيع مع بعض البلدان فضلاً عن الضغط السياسي على الولايات المتحدة وأوروبا وغيرهما، وهكذا بعد أن كان التراجع العربي يسير سيراً بطيئاً أصبح يمشي مستعجلاً في أعقاب تخلي العرب عن قوتهم العسكرية، ومطالبهم الثابتة (ثم قالوا الحرب كر وفر ثم فروا وفروا وفروا) .

وهكذا لم تشهد إسرائيل من العرب طوال نصف قرن من الصراع سوى التراجع بحجة التقدم، والتنازل بحجة الاعتدال، والتخلي عن مصادر القوة بحجة قوة السياسة والدبلوماسية والضغط على الدولة الفاعلة في العالم حتى خسروا معظم أوراقهم أو كادوا، ولعل هذا ما شجع تسيبي ليفني وحكومتها على مطالبتهم الآن قبول التطبيع دون أي مقابل لا على أرض الواقع ولا حتى عن طريق الوعود.

إن من يطالب العرب بالتطبيع التدريجي عليه أن يقبل تحديد الإطار العام للعملية السلمية، بحيث يقع هذا التطبيع في إطار حل دائم وشامل متفق عليه بين الطرفين المتصارعين في إطار مؤتمر دولي ودول ضامنة أو ما يشبه ذلك لا عن طريق الصفقة، فلو طرحت ليفني هذا المقترح وطالبت بالتطبيع التدريجي من خلاله لكانت نصف مصيبة، أما أن يقبل العرب بتطبيع علاقاتهم مع إسرائيل ويتركوا الفلسطينيين لقدرهم فتلك ستكون مصيبة جديدة لاشك فيها، فإذا كان عدم التطبيع وماتبقى من الضغوط السياسية العربية والدولية فضلاً عن عمليات المقاومة لم تغير شيئاً من الموقف الإسرائيلي فكيف يمكن أن يتغير هذا الموقف بدونها؟

إن إسرائيل التي تستمر في أسر أحد عشر ألف أسير فلسطيني، وترفض تخفيف عدد الحواجز في الضفة (مجرد تخفيف) وتستمر في سياسة الاستيطان وتستسهل قتل الفلسطينيين يومياً.

وتعمل بثبات لاستكمال حاجز الفصل العنصري، وترفض تطبيق قرارات الأمم المتحدة، وتتنامى قوتها العسكرية بما فيها النووية، وتهدد الدول العربية بأمنها ومستقبلها، هي المطالبة بتقديم حوافز للتطبيع التدريجي لا العرب، فإسرائيل هذه هي التي لا تقبل التطبيع لا تدريجياً ولا دفعة واحدة، إنها تريد الاستسلام الكامل معتمدة على تاريخ طويل من التراجع العربي.

تراهن إسرائيل على مرور الوقت لأنها تظن أن التراجع العربي لاحدود له مع الوقت، ويبدو أنها تعتقد أنه حان وقت التطبيع دون مقابل ولذلك أتحفتنا تسيبي ليفني بمقترحاتها ونصائحها. لقد عرض العرب مبادرتهم عام (2001) وتجاهلها شارون، ثم عمّدوها بموافقة جديدة في مؤتمر الرياض هذا العام، وأرسلوا وفداً يعرضها على الحكومة الإسرائيلية التي تجاهلتها مجدداً، مع أن محتويات هذه المبادرة لا تتجاوز الحدود الدنيا التي يمكن أن يقبل بها العرب.

وكانت ـ ومازالت ـ فرصة هامة ووسيلة هامة للوصول إلى حل للصراع العربي الإسرائيلي، حلاً ليس متوازناً لكنه ربما يكون مقبولاً في ظروف الهيمنة الأمريكية على العالم وفي شروط تاريخية غير مناسبة للعرب، وها هي إسرائيل تطرح بديلاً عن هذه المبادرة وتتصنع في طرحها السذاجة والاستغراب والنصح والخبث أيضاً، دون أن تفكر ـ حتى مجرد تفكير ـ أن تتنازل عن شيء من صلفها وعسفها وعدوانيتها وإصرارها على هضم كامل حقوق العرب. .

لقد أطلقت ليفني على مقترحاتها صفة الصفقة ولعل هذا يدل بوضوح على موقف الحكومة الإسرائيلية وموقف القوى الصهيونية فهم يسعون لعقد صفقة لا الوصول إلى حل لصراع طويل، يتضمن الاعتراف بحقوق الآخر ومصالحه ومستقبله، صفقة بين تاجرين تتجاهل التاريخ والواقع والمستقبل وتعتمد على المساومة والشطارة والخبث فأي تطبيع هذا الذي يتجاهل الحقوق كلها والمصالح كلها سواء كان تدريجياً أم غير تدريجي، مع أن العرب مازالوا يملكون بعض الأوراق رغم التراجع المتسارع تاريخياً. ثم ماذا عن بقية الأراضي العربية المحتلة والشرق الأوسط والبؤر المشتعلة في المنطقة.

كاتب سوري