ورد في تقرير «الرؤساء التنفيذيون» في العدد الأخير لمجلة (فوربز) قصة «ميغ ويتمان» الرئيسة التنفيذية لشركة eBay وهي أول بوابة إلكترونية للمزادات على الإنترنت حيث تبلغ قيمة هذه الشركة اليوم أكثر من 46 مليار دولار.

يقول التقرير إن ميغ كانت على متن طائرة الشركة الخاصة في رحلة إلى الهند مع ثلاثة موظفين آخرين عندما أصيب أحدهم بتلبك معوي حاد، وكان ذلك أثناء مرور الطائرة فوق طهران، فنظرت ميغ في الأطلس ورأت بأن اسطنبول هي المدينة الأقرب والأكثر أماناً ليهبطوا فيها.

اتصلت بخدمات الطوارئ الجوية وأجرت الترتيبات اللازمة لكي تكون هناك سيارة إسعاف في انتظارهم على أرض المطار. ركبت ميغ مع الموظف المريض في سيارة الإسعاف ومكثت معه عدة ساعات في المستشفى.

وكانت تتحدث في نفس الوقت مع زوجته عبر الهاتف لتطمئنها. وما أن استقرت حالة الموظف حتى نقلته ميغ بطائرة الشركة إلى مستشفى في لندن وتابعت هي والموظفان الآخران رحلتهم إلى الهند بالطيران التجاري تاركين طائرة الشركة لتعود بالمريض إلى وطنه في كاليفورنيا.

قد يرى البعض بأن هذه القصة ضرب من ضروب الخيال، فلماذا تبالغ مديرة إحدى أكبر الشركات العالمية بتخصيص الطائرة الخاصة لموظف - وإن كان رفيعاً - وتركب هي في طائرة تجارية؟ ولماذا تزعج نفسها بموظف (لا راح ولا جاء) كما تقول الحكمة «العربية» وهي التي يمكنها أن تأتي بأعتى المديرين العالميين ليحلوا محله؟

قد نجد الجواب في قصة عبد الرحمن الداخل - الملقب بصقر قريش - عندما وصل إلى المغرب وأرسل خادمه بدر إلى الأندلس ليستطلع أحوالها وبقي هو عند أخواله في المغرب، وبعد انقضاء عام على غياب بدر حتى كاد الداخل أن يفقد الأمل في عودته عاد يبشره بتأييد موالي بني أمية له في الأندلس واستعدادهم لنصرته إن هو عبر إليهم.

وبعد أن عبر وخاض الحروب واستقر له الأمر دعا كل من أحسن إليه من قبائل شمال أفريقيا التي توقف عندها في رحلته الطويلة من بلاد الشام إلى الأندلس، وعندما دخل عليه شيخ قبيلة كان قد أحسن إليه هو وزوجته يوماً ورأوا بدراً إلى جانب الداخل ينتظرانهما عند بوابة قصر الإمارة قالت زوجة الشيخ: «أهذا خادمك بدر» فرد عليها الداخل: «بل هو وزيري وقائد جيشي».

كان بدر يخاف أن ينساه التاريخ، إلا أن صنيعه بالداخل وتضحيته له أجبر رواة التاريخ على ربط اسمه باسم أحد أعظم ملوك الأندلس والتاريخ الإسلامي، وفي الحقيقة فإنه لولا وقوف بدر إلى جانب الداخل لما استطاع أن يملك الأندلس وربما لم يكن للمسلمين ذكر في الأندلس يوماً.

قبل أن يترك الداخل المغرب ويتوجه إلى الأندلس أوصته خالته قائلة: «الشورى والرحمة هما أساس الملك» وكان هذا نهجه في بداية حكمه على الأقل. وفي أحد حوارات الداخل مع خادمه أو بالأحرى وزيره بدر قال له الوزير: «يا سيدي، إذا أمن الرجل من العامة نفسه في أحضان الدولة فإنه يترك كل شيء آخر ويخلص لها لأنها تصبح بالنسبة له قبيلته التي ينتمي إليها وبيته الذي يأوي إليه».

لم يؤسس الداخل دولته بمساعدة قادة الجند أو الأغنياء أو أشراف الأندلس، بل عضّد ملكه وأبلغه غايته موالي بني أمية والموتورين من اليمنية وغيرهم، وهؤلاء كلهم لم يكن لهم شأن يذكر قبل قدومه عليهم، فأحبهم وأحبوه، ونصرهم فنصروه.

إن الاهتمام بالموظف لا يجب أن يكون مشروطاً بمنصبه أو مكانته عند الإدارة العليا، ومن يظن بأن التاريخ لا يعيد نفسه فعليه أن يراجع التاريخ ويراجع نفسه. تقول إحصائيات الكوارث العالمية بأن النمل الأبيض الذي لا يرى بالعين المجردة يحدث دماراً في الكرة الأرضية أكثر مما تحدثه الزلازل والأعاصير مجتمعة، إلا أن وسائل الإعلام لا تنقل إلا أخبار الأحداث التي تبدو لنا أنها عظيمة.

بعض المديرين يحب موظفيه كما يحب أفراد أسرته، فتراه يسأل هذا عن عمله وذاك عن أسرته، ويسألهم عن حاجاتهم الوظيفية وحتى الشخصية، لأنه يعرف أنه بدون هؤلاء الموظفين لا يستطيع أن يكتب رسالة أو يشتري قلماً. إن احترام الموظف واجب على كل مدير، حتى وإن اختلف معه في الرأي أو الشخصية، والمدير الجدير بمنصبه هو الذي يستغل في كل موظف مهاراته الشخصية التي لا يخلو منها إنسان في الدنيا وهو الذي يبحث عن موظفين أقوياء يكملون جوانب النقص لديه ويقوونه بخبرته وأدائهم.

أما المدير بالاسم فقط، فهو الذي يرى في الموظفين نملاً أبيض يجب القضاء عليهم قبل أن يخرّ عليه سقف مؤسسته، فتراه ينهر هذا ويقيل ذاك، ولا تسمع منه غير انتقاص الموظفين والتقليل من قدراتهم وإنجازاتهم حتى وإن كانت واضحة للعيان.

يقول كونفيشيوس في حديثه عن القائد: «عندما يكرس القائد نفسه للرعية، فيحب ما يحبون ويكره ما يكرهون يصبح أباً لهم» ويضيف: «لم يحدث قط أن أحب القائد الرحمة ولم ينزع الرعية إلى الحق ولم يحبوه».

فهل يكون مديرو اليوم مثل عبد الرحمن الداخل الذي أوفى لكل من وقف معه، وهل يتعلمون من ميغ التي بنت إمبراطوريتها بسواعد موظفيها وليس على أكتافهم... أم يصبحون كالمبيد الحشري الذي لن يفلح أبداً في القضاء على النمل الأبيض؟

باحث إماراتي

yasser.hareb@gmail.com