التحرك السياسي والدبلوماسي الواسع الذي شهدته الساحتان الدولية والإقليمية خلال النصف الثاني من شهر سبتمبر الماضي، خصوصاً على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والتصريحات التي تصدر عن الرؤساء المسؤولين من كل طيف، ساهمت في إضافة أجوبة وإيضاحات أخرى إزاء الحديث عما يسميه البعض مؤتمراً دولياً، ويسميه آخرون اجتماعاً دولياً فيما تفضل إسرائيل الحديث عن لقاء. غير أن كل تلك التوضيحات لم تنجح حتى الآن في تبديد أجواء التشاؤم بشأن نتائجه وحتى بشأن إمكانية انعقاده.

بات واضحاً أن الاجتماع ستحضره أكثر من ستة وثلاثين دولة والباب مفتوح على المزيد. فبالإضافة إلى الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وأطراف الرباعية الدولية، ولجنة المتابعة العربية المنبثقة عن قمة الرياض الأخيرة وتتشكل من ثلاث عشرة دولة، يدور الحديث عن حضور ثلاث دول إسلامية هي ماليزيا وتركيا واندونيسيا والآخرين من الدول الصناعية الثماني الكبرى، فضلاً عن احتمال دعوة دول أخرى كالهند والبرازيل وجنوب أفريقيا.

فظاهرة دولية يكسبها طبيعة وعدد واتجاهات الدول التي ستحضره يشير إلى طابع المنتدى الدولي الواسع، الذي لا يحتمل مفاوضات حقيقية، ونتائجه ستظل مرهونة بما يجري تحضيره بين الأطراف المعنية خصوصاً إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وطبيعة ومستوى وجدية التدخل الأميركي تحديداً بين الطرفين باعتبارها الوحيدة المؤهلة للتأثير على إسرائيل.

ولذلك فإن الاجتماع بحد ذاته ليس أكثر من مرجعية لممارسة العلاقات العامة وإلقاء البيانات والخطب التي تبدي الاستعداد لدعم رغبة الطرفين في دفع العملية السياسية في الشرق الأوسط.

وبالنسبة للحضور، فإن سوريا على نحو خاص تواجه لحظة صعبة للاختيار بين أن تحضر اجتماعاً دولياً على هذا المستوى من الاتساع والأهمية لكنه يستبعد تماماً إمكانية بحث ملف هضبة الجولان المحتلة، وبين أن تقاطعه فتضيف إلى لائحة الاتهامات التي توجهها لها أوروبا والولايات المتحدة اتهاماً آخر برغبتها في تقويض الجهود الدولية والإقليمية الرامية لتحقيق السلام بما يصعد الحملة التحريضية ضدها.

وأيضاً جرى تحديد مكان عقد الاجتماع بدون تحديد التوقيت الدقيق لموعد انعقاده. غير أن الأطراف المعنية لم تنجح حتى الآن في تحديد مرجعية وإطار والأهداف المحددة للاجتماع وآليات العمل اللاحقة.

في هذا المجال فإن ما قرأناه حتى الآن من تصريحات صدرت عن الأطراف الأساسية والفاعلة لا يبشر بخير. فمن حيث مبدأ انعقاده فإن الأمر مرتبط بشكل أساسي فيما يمكن أن تفكر الولايات المتحدة القيام به ضد إيران، خصوصاً وأن التهديدات بالحرب تتزايد في الولايات المتحدة، وآخرها ما ورد في صحيفة نيويورك الأميركية خلال الأسبوع الماضي من أن واشنطن تدرس إمكانية شن ضربات على حرس الثورة الإيرانية الذي سبق ذلك بأيام تصنيفه كمؤسسة إرهابية.

أما على الصعيد السياسي فيلفت النظر ما صرحت به وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس من أن الاجتماع سيتوخى إصدار بيان بدون أجندات زمنية، الأمر الذي يعد تكراراً لما سبق لأولمرت أن صرح به أمام أعضاء حزبه، من أن أقصى ما يمكن الذهاب به إلى اللقاء هو بيان إعلان نوايا غير ملزم.

الاتحاد الأوروبي الذي حذر من أن أي فشل سيكون مأساوياً، تحدث على لسان وزير الخارجية البرتغالي لويس أمادو يوم السبت الماضي، أن الاجتماع يفترض أن يتيح التوصل إلى اتفاق مبدئي يرسم أفقاً واضحاً لدولة فلسطينية مستقبلية تحظى ببرنامج طموح.

فحتى لو كان بالإمكان تحقيق ما ذهب أمادو للحديث عنه فإن الأمر يتصل بجانبين، الأول فتح أفق نحو حل جزئي غير مجدول زمنياً وغير معروفة آليات تحقيقه تطبيقاً لرؤية بوش، والثاني يقصد به الدعم المالي الدولي والعربي الذي توعد به السلطة الفلسطينية لإعادة بناء مؤسساتها وأجهزتها وقاعدتها الاقتصادية.

موضوع الدعم المالي والاقتصادي للسلطة ظهر في موازنتها التي بلغت للمرة الأولى منذ قيامها 6,6,2 مليار دولار، وأيضاً على ما يبديه رئيس الحكومة د. سلام فياض ووزير التخطيط من اطمئنان لتواصل الدعم المالي خلال السنوات الخمس المقبلة.

إن الأهم من كل ذلك هو ما يتصل بمواقف الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني إزاء ما يمكن أن يتوصلا إليه من اتفاق في المرحلة التحضيرية للاجتماع، إذ لا تبدو اجتماعات القمة التي وقعت بين رئيس الحكومة الإسرائيلية والرئيس الفلسطيني، بما في ذلك لقاء الأربعاء الماضي، لا تبدو قادرة على انجازه.

يأمل الفلسطينيون ويطالبون بمفاوضات شاملة لكل قضايا الوضع النهائي بما في ذلك الدولة والحدود والقدس واللاجئين، الأمر الذي يتطلب إطار اتفاق لانطلاق المفاوضات لاحقاً وفق جدول زمني ملزم وآليات محددة، الوصول إلى مثل هذا الإطار للحكم على مدى نجاح الاجتماع، يتطلب من وجهة النظر الفلسطينية قيام إسرائيل بتنفيذ تعهداتها بشأن الكثير من القضايا والإجراءات الأمنية والإنسانية والاقتصادية التي لم تنفذ منها إسرائيل حتى هذه اللحظة ورغم مرور وقت طويل على إطلاق الوعود المزيفة، سوى خطوة الإفراج عن أقل من تسعين أسيراً ثلثهم من قطاع غزة، الأسبوع الماضي.

ومن وجهة نظر فلسطينية وعربية، عبر عنها وزير الخارجة السعودي سعود الفيصل يتطلب إنجاح التحضيرات لعقد الاجتماع الدولي أن تبادر إسرائيل لوقف الاستيطان وربما أيضاً وقف بناء جدار الفصل العنصري، وإذا كانت عقدة منشار عملية السلام.

بما في ذلك الاجتماع الدولي في حال انعقاده، تكمن في السياسة الإسرائيلية فإن هذه لا تبشر بخير. فمن وجهة نظر رئيس حكومة إسرائيل إيهود أولمرت عدا عن عدم استعداده للموافقة على أكثر من بيان غير ملزم.

فإنه أدلى بتصريح يقول فيه إنه من غير الممكن معالجة قضايا الوضع النهائي إلى عقود مقبلة، يذكر موقف أولمرت بموقف رئيس حكومة إسرائيل السابق شامير الذي قال في افتتاح مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، «إن كنتم تريدون فرض السلام على إسرائيل فإن عليكم أن تنتظروا مفاوضات تستمر لأكثر من عشرين عاماً».

أما وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسفي لينفي فأبدت تفاؤلاً أكثر من رئيس حكومتها حين تضمن خطابها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة رغبة في تحقيق رؤية الرئيس بوش، وفي أن تبدي الأطراف العربية والإسلامية التي ستحضر الاجتماع الدولي رغبة في التعامل والتعاون مع إسرائيل، معلنةً رفضها لأية شروط مسبقة، ليفني وربما لأغراض دعائية أمام دول الأرض، قالت إنه إذا لم يكن ممكناً معالجة قضايا الحل النهائي فإن على الأطراف أن تتعامل مع الممكن، والذي يتصل بموضوع الدولة الفلسطينية.

هذه هي حدود مواقف الأطراف والدول المعنية والمؤثرة، وهي غير كافية لتمكين الاجتماع الدولي من النجاح فالأميركيون يريدون مظاهرة سياسية وإنجاز مظهري وحشد العرب وتحريضهم على إيران.

أما إسرائيل فتريد خطوات وحلول مؤقتة وانتقالية وبدون إلزام، ذلك أن عينها على التطبيع مع الدول العربية والإسلامية. وفي الواقع ما لم تتغير النوايا والأهداف وطبيعة التدخل الأميركي، فإن الاجتماع في حال انعقاده، لن يقدم الحد الأدنى من متطلبات دفع عملية السلام.

وفي ظل حالة الشك، فإن على العرب أن يتمسكوا بمعايير واضحة للحكم على نجاح أو فشل الاجتماع سواء ما هو مطلوب خلال المرحلة التحضيرية أو ما هو مطلوب من الاجتماع ذاته.

كاتب فلسطيني