كل المدافعين عن حق العودة الفلسطيني والمتعاطفين معه في جهات الدنيا الأربع، يقفون بصلابة خلف مقولة مفادها أن عدم تطبيق هذا الحق سيؤدي في وقت قريب أو بعيد إلى تقويض أية تسوية على المسار الإسرائيلي الفلسطيني. ويذهب بعض هؤلاء إلى ان التداعيات السلبية المترتبة على تسوية لا تضمن عودة اللاجئين والنازحين الفلسطينيين إلى ديارهم ومساقط رؤوسهم، سوف تمتد بلظاها وتهديداتها إلى أبعد من هذا المسار إقليميا ودوليا.

يقوم هذان التشوفان على مجموعة من التعميمات المعقولة والتي يمكن تفهمها من الناحية الصورية..منها أن الالتفاف على مفهوم العودة بصيغ تحايلية أفعوانية سيعني أولا التناقض مع مقتضيات العدالة البحتة بمعنييها التاريخي والقانوني،وسوف يمثل ثانياً انتقاصاً من الوفاء بأحد أبرز الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف.

ويتصل بهذين العيبين ويتأتي عنهما، ثالثاً، وقوع خلل كبير في التعامل مع مبدأ مستقر في القوانين والحقوق الإنسانية الطبيعية المتوافق عليها بين الأمم المتحضرة، وهو أمر ستسعى الطبيعة إلى تصحيحه في إطار ظروف ومعطيات وموازين قوى فلسطينية إسرائيلية أخرى قد تتوفر في زمن آخر.

ولكن كيف ستتطرق مخاطر عيوب انتهاك حق العودة إلى ما هو أبعد من الدائرة الفلسطينية الإسرائيلية المباشرة؟.. يقال في تفسير ذلك، ان كتلة اللاجئين المتضررة جدلا من هذا الانتهاك تتركز في المحيط الإقليمي على ضفاف أو حواف الجغرافيا السياسية لفلسطين التاريخية.

وهكذا فإن أي تحرك فلسطيني يقصد تجديد أو استئناف السعي إلى هدف العودة ويبعث نوازعها وأحانينها، سيؤثر على هذا المحيط. وسيكون تأثير هذا التحرك أعمق وأوسع، في حال ائتلفت وتحلقت حول القائمين به قوى وتيارات فكرية وسياسية إقليمية محفوزة بنداءات الجوامع القومية أو الحضارية الإسلامية الجوالة داخل فلسطين ومن حولها.

علي أن هذه التوقعات جميعها تكاد تتأسس على عموميات وبديهيات تقرها فطرة الاجتماع السياسي ومنطق حل الصراعات. إنها تقول ببساطة بأن حلاً غير عادل لقضية اللاجئين سوف يعكر فرصة التسوية المستقرة في فلسطين وجوارها. ومثل هذا التحليل الذي يأخذ بنظرية الفعل ورد الفعل يبقى قضية افتراضية، ولا يوفر أمام الضالعين في التسوية تشخيصاً متكاملاً لانعكاسات ما هم مقبلون عليه.

نود القول - بصيغة أخرى - بأن دعاة التسوية المنقوص منها حق العودة،يحتاجون إلى شواهد وأعمال بحثية تفصيلية تظهر خلالها التجليات المتوقعة لهذه النقيصة. فليس ثمة على حد علمنا، جهود تأصيلية نظرية مدعومة ببيانات ميدانية ومسوح علمية موضوعية، تسعى لمقاربة هذه التجليات واستشرافها في الآجال القصيرة والمتوسطة والطويلة.

تقديرنا أن جهودا كهذه سيتعين عليها مواجهة الكثير من الاستفهامات والتساؤلات التي تتصل بقضايا فرعية بالغة الحساسية، لكنها تدور جميعا في فلك سؤال ضخم واحد موجزه: ما الذي يمكن حدوثه بالضبط إذا لم يعد اللاجئون؟.

ولا يقلل من الحاجة إلى هذه الجهود التعلل باحتمال وجود نماذج نقاشية حول القضية ذاتها لدى بعض الدوائر المهتمة في إسرائيل أو الولايات المتحدة أو أوروبا.. فالتساؤلات التي تخالج هذه الدوائر ومن ثم الإجابات المتصورة، قد تختلف كثيراً عن المطلوب فلسطينياً وعربياً بالنظر لاختلاف الأهداف وزوايا المعالجة، ما لا يغني إطلاقاً عن الاطلاع بمنظور فلسطيني أو عربي، أو فلسطيني عربي مشترك للقضية.

بيان المساوئ الكاملة- أو حتى المحاسن ان كان للأمر حسنات- لتجاوز حق العودة، سوف يسهم في ردف المفاوض الفلسطيني والعربي بقاعدة معلوماتية معرفية بشأن القضية وتفاعلاتها في الحال والاستقبال. لكن هذا الجهد سيكون يقيناً عظيم الفائدة بالنسبة للقوى الداعمة لمبدأ العودة..

فمن نتائجه سوف سيبرز حجم الفرص والمخاطر التي عليهم التعامل فعليا معها بعد أن يتم التأكد من عدم تطبيق هذا المبدأ (الحق)، وهكذا فان المفاوضين على حق العودة والرافضين لجعله موضوعاً للتفاوض والمساومة يلتقيان على حاجة واحدة، وان تباينت المنطلقات والأهداف، وعلى مسافة من هذين الطرفين ومن كل المنشغلين بالأصداء والبدائل التي يمكن أن يجترحها «غير العائدين» الفلسطينيين ومناصريهم، ثمة فريق آخر يفترض انه معني بالأمر.

فتجاوز حق العودة الفلسطيني سوف تؤسس لسابقة شديدة السلبية تسيء إلى موقف دعاة حقوق الإنسان، وعليه، يندرج هؤلاء الأخيرون في عداد المنتفعين بدراسة مستقبل اللاجئين الفلسطينيين وردود أفعالهم، في ظل تسوية لا تطبق القانون الدولي ولا قوانين حقوق الإنسان الخاصة بالعودة.

ان قضية اللاجئين الفلسطينيين هي أقدم قضايا اللجوء الدولية طرا. ولأن المفترض أن حق هؤلاء مضمون وفق السوية الدولية الحقوقية العامة معطوف عليها القرارات الخاصة بحقهم هم بالذات في العودة، فإن الأسلوب الذي ستعالج به قضيتهم، سيمثل حالة قياسية لمآل علاقة الحق بالقوة. وهنا، فانه من الأهمية بمكان أن تنشغل المحافل الحقوقية والإنسانية النزعة بالتداعيات المستقبلية الكاملة لإهدار حق العودة في النموذج الفلسطيني.

نطرح هذه الأفكار وفي الذهن حالة الفتور والميوعة التي بتنا نلاحظها مؤخراً في أنشطة المتحمسين لهذا النموذج، وذلك رغم توالي نذر التشاؤم والشؤم المحلقة في أفقه. لم نلحظ مثلاً احتجاجات ذات بال على ترحيل جماعة من اللاجئين الذين أقاموا لعشرات السنين في العراق إلى البرازيل في أقصى الأرض.

وهى العملية التي تنطوي علي توطين صريح، كونها اقترنت بضمانات للمرحلين بحقوق المواطنة البرازيلية الكاملة!. وأغلب الظن أن هذه الصفقة تضمنت ما يفهم منه طي فكرة العودة إلى فلسطين واستئصالها من رؤوس هؤلاء «البرازيليين الجدد»!.

كذلك لم يعد خبر تزاحم المئات، ولعلهم الآلاف، من خيرة شباب اللاجئين في الضفة وغزة ولبنان على أبواب سفارات بعض الدول المستقبلة للمهاجرين، كندا وأستراليا ودول شمال أوروبا الاسكندنافية والولايات المتحدة بخاصة، يثير حفيظة المؤرقين بحق العودة!..

ترى هل يعزى تكاسل هؤلاء وقعودهم وازورارهم عن كنه ما يجري ومغزاه إلى انقطاع آمالهم بشأن احتمال تطبيق هذا الحق؟.(وهل يعنى ذلك أن الدنيا لن تنقلب إذا لم يعد اللاجئون وفقا لرأي بعض المرجفين بحق العودة؟)..

هذه الظاهرة تستحق مدارسة حقيقية جادة لمعاني ومآلات انتهاك حق العودة، وذلك على نحو يخترق وطأة اللحظة الراهنة المقبضة التي تقود بعض اللاجئين للانصياع لحلول هروبية بأي ثمن. وبعد المدارسة يأتي دور التعريف بنتائجها وبسطها أمام كل من يعنيهم الأمر في الحال والاستقبال. بمثل هذا العمل يبرئ العاملون على حق العودة ذمتهم نسبيا، ويصبح لمحاجاتهم ودفوعهم مردودات عملية ملموسة.

كاتب وأكاديمي فلسطيني