عادت طبول الحرب تدق ويعلو ضجيجها ويسمع صداها في مختلف أنحاء العالم، وعاد التهديد بتوجيه ضربة عسكرية لإيران يتردد وبقوة وبدون أية مبررات واقعية، فبعد انخفاض نبرة التهديدات خلال الصيف.
وبعد إشادة المنظمة الدولية للطاقة الذرية ورئيسها البرادعي بالتعاون الإيراني وتأكيده على عدم وجود أي مبرر لضرب إيران أو حتى تشديد العقوبات عليها، عاد الحديث عن الضربة يعلو من جديد، ولم يكن تصريح الوزير الفرنسي كوشنر مجرد زلة لسان أو خطأ دبلوماسي كما اعتقد البعض، بل هذا التصريح وجد له صدى في واشنطن في نداء الإدارة الأميركية بضرورة تشديد العقوبات على إيران بشكل ممكن أن يمهد لاستخدام القوة.
روسيا اعترضت بشدة على تشديد العقوبات على إيران، ووصل الأمر إلى المشادة الكلامية بين وزير الخارجية الروسي سيرجى لافروف والوزيرة الأميركية رايس، وتصور البعض أن حدة الرد الروسي في هذه المرة هو دفاع عن إيران التي أثبتت حسن نيتها في التعاون الكامل مع المنظمة الدولية للطاقة الذرية، ولكن في الواقع أن موسكو استشعرت في هذا التوقيت .
وفي هذه المرة أن أية عقوبات مشددة على إيران ستمس بشكل مباشر المصالح الروسية وتعاونها مع إيران في كافة المجالات، وليس فقط في المجال النووي.
كما استشعرت موسكو أن الإدارة الأميركية تخطط بالفعل لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، وقد تكون ضربة محددة تستهدف المنشآت النووية، لكنها في النهاية ستكون لها تداعيات شبه كارثية، على حد تصريحات المسؤولين الروس، خاصة وأن الإدارة الأميركية لا تعير اهتماما لرد الفعل الإيراني والذي سيؤدى بالقطع لفوضي في المنطقة لن يستفيد منها سوى الأميركيين الذين اعتادوا تكريس الفوضى من اجل تحقيق مصالحهم الخاصة.
لقد توجهت روسيا في الأيام الماضية للأوربيين تناشدهم العمل بجدية للحيلولة دون وقوع الكارثة محذرة إياهم من أنهم سيكونون أول المتضررين من هذه الضربة التي ستؤثر بشكل كبير على اقتصادياتهم بعد الأزمة النفطية التي ستنتج حتما عن هذه الضربة المتوقعة، فلا شك في أن ضرب إيران وإثارة الفوضي في منطقة الخليج سيترتب عليه وقف إمدادات الطاقة لأوروبا ولو لفترة زمنية محدودة، وسيأتي هذا الوقف للطاقة في بداية فصل الشتاء البارد، مما سيؤدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار النفط لن تستطيع الاقتصاديات الأوروبية تحمله.
بينما الولايات المتحدة التي أعدت عدتها لهذه الضربة قد رتبت أمورها للتعامل مع هذه الأزمة وربما للاستفادة منها لصالح شركات النفط العملاقة التي ستدر عليها الأزمة أرباحا كبيرة بغض النظر عن المعاناة التي سيعاني منها المجتمع الأميركي الذي يدفع الضرائب لتذهب أمواله للحرب التي ستجر عليه ويلات لا طاقة له بها، و من المفترض أن يكون هذا المجتمع قد استفاد من تجربة الحرب في العراق التي اقترب إنفاقها الأميركي من التريليون دولار.
لقد سبق للروس في مطلع عام 2007 أن حذروا من النية المبيتة لدى الإدارة الأميركية لشن ضربة عسكرية على إيران وحددوا موعدين محتملين لهذه الضربة هما مارس الماضي أو نوفمبر القادم، و كانت عمليات تحريك الآلة العسكرية الأميركية العملاقة وتوجيهها إلى منطقة الخليج مؤشرا واضحا لهذه النية المبيتة.
فلا يتصور أحد أن تتحرك حاملات الطائرات الأميركية العملاقة من قواعدها وتقطع ألاف الأميال لتعود في النهاية بدون فعل يبرر تحركها وقطعها لهذه المسافات، ومازالت حاملات الطائرات الأميركية قابعة في منطقة الخليج ومعها العديد من البوارج الحربية، وتشير الاستطلاعات والمعلومات لدى موسكو وغيرها من الدول الأخرى أن هناك حالة تأهب قصوى لدى هذه القطع البحرية العسكرية الأميركية تدل على تأهبها لفعل ستقوم به.
البعض في موسكو فسر الاختراق الإسرائيلي للأجواء السورية الذي وقع منذ أيام بأنه محاولة لجس نبض سوريا ولجرها لصدام عسكري سيؤدى لتدخل إيراني لدعم سوريا مما سيبرر تدخل أميركي لضرب إيران، ولهذا أدانت موسكو بشدة الاختراق الإسرائيلي للأجواء السورية وحذرت من تكراره.
وقالت الخارجية الروسية أن روسيا لن تتردد في الوقوف بجانب سوريا في حالة تعرضها لهجوم مسلح من جانب إسرائيل، وهو الأمر الذي استهجنته إسرائيل بشدة، في الوقت الذي بررته موسكو بأنه سيكون تدخلا حتمي لدرء خطر أكبر هو إشعال المنطقة ونشر الفوضى فيها.
مازال أباطرة الحرب وتجار السلاح الأميركيين يحاولون الاستفادة بأكبر قدر ممكن ولأخر لحظة من وجود المحافظين المتشددين في الإدارة الأميركية، والجميع يعلم كم من المليارات حققت مؤسسة التصنيع الحربي الأميركية خلال الأعوام الخمسة الماضية بفضل الحرب في أفغانستان والعراق، وهي الأرباح التي لم تحققها هذه المؤسسات خلال ثلاثة عقود مضت.
وتريد الآن أن تستغل الشهور المتبقية من عمر إدارة المحافظين الجمهوريين المتشددين لتحقيق المزيد من الأرباح استعدادا لسنوات عجاف ستراها في ظل حكم الديمقراطيين إذا وصلوا للبيت الأبيض في العام القادم،و أي ضربة عسكرية لإيران ستكون بمثابة ضوء أخضر للرئيس الأميركي لسحب المزيد من المليارات من الميزانية الأميركية، ولن يستطيع الكونغرس ولا أية جهة في أمريكا اعتراضه لأن الدستور الأميركي يعطي الرئيس صلاحيات بلا حدود في حالة الحرب.
ولكن هل يمكن تفادي الحرب المتوقعة؟
الواقع أن الأمر يستلزم جهودا دولية مكثفة ومشتركة تساهم فيها الدول الأوروبية وأيضا دول منطقة الشرق الأوسط التي مفترض أنها ستتضرر كثيرا من هذه الضربة، لا يمكن أن تقف روسيا وحدها في مواجهة هذه الضربة رغم أن تضررها قد يكون أقل من آخرين كثيرين، مطلوب من المجتمع الدولي أن يتحرك وبسرعة ليفوت الفرصة على أباطرة الحرب ودعاتها الذين لا يفكرون إلا في مصالحهم الشخصية ولا يعيرون اهتماما لمعاناة الشعوب الأخرى من هذه الحروب الكارثية.
جامعة سيبيريا