لم يمض إلا أسبوعان على قيام كل من الجنرال بترايوس والسفير كروكر بالإدلاء بإفادتيهما أمام الكونغرس الأميركي في العاشر والحادي عشر من سبتمبر المنصرم دعماً وإسناداً لسياسة الرئيس بوش في العراق، حتى إنبرى الديمقراطيون للرد على ذلك.
فقد بدأت الأحداث تتسارع لوضع اللمسات الأخيرة على مشاريع إنهاء الوضع الاستثنائي في العراق وتوظيف ذلك في الحملة الانتخابية للرئاسة الأميركية نهاية عام 2008، فقد نجح الديمقراطيين في تمرير مشروع قرار خطير يتعلق بمستقبل العراق، مكررين بذلك الأخطاء الخطيرة التي ما فتئ الأميركيون ان يرتكبوها في هذا البلد.
أربع سنوات ونصف السنة منذ سقط النظام السابق تدهورت فيها الأوضاع على مختلف الأصعدة بشكل مريع وساهم المحتل بجهل، أم بغير ذلك، في دفع الأوضاع إلى المزيد من التأزم عبر سياسات مدروسة، أم غير ذلك، وأسهم قادة الكتل السياسية العراقية في كل ذلك بوعي، أم بغير ذلك. وها نحن نسمع الآن بأصوات عالية ما كان يتردد في خفوت واستحياء في الأيام الأولى التي أعقبت الاحتلال، تقسيم العراق إلى دويلات.
الوضع القلق المتأزم في العراق لا بد أن يصل في يوم ما إلى نهاية ويسير في أحد المسارات الممكنة نحو الاستقرار. ولكن من يرسم هذا المسار؟، أهي الدولة المحتلة التي لا تملك شرعية ذلك؟، أم الأمم المتحدة التي تَهَمَشَ دورها؟، أم القيادات السياسية العراقية التي صادرت طموحات الشعب العراقي واختزلت مكوناته في شخوصها؟، أم الشعب العراقي الذي لم يكن في يوم من أيام تأريخه الطويل في صراع مع بعضه؟.
هذه الأسئلة نطرحها بصوت مرتفع ونحن نرى بأن مستقبل العراق قد انتقل حسمه من شوارع المدن العراقية وأزقتها، التي شهدت ولادة وطفولة وصبا وشباب وكهولة وشيخوخة أربعة أجيال متعاقبة، امتزجت فيها دماء الكردي والعربي والتركماني والسني والشيعي والمسيحي والإيزيدي والصابئي لتنتج ثقافة متميزة بالثراء والتسامح والإخاء، إلى صالات الكونغرس الأميركي الذي أمسك بمشرط غطاه الصدأ ليقطع به أوصال بلد لا يعرف عنه غير معلومات مبتسرة وظفها حتى الآن في رسم سياسات بلهاء دمرت العراق وألحقت أبلغ الضرر بسمعة الولايات المتحدة نفسها.
فقد أقر مجلس الشيوخ الأميركي في السادس والعشرين من سبتمبر المنصرم بأغلبية 75 صوتاً مقابل 23 صوتاً مشروع قرار غير ملزم لتقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات على أسس عرقية وطائفية (شيعية وسنية وكردية).
تقدم بالمقترح أحد المرشحين للرئاسة الأميركية السناتور الديمقراطي جوزيف بايدن معرباً عن اعتقاده بأنه الحل العملي الذي يمهد لخروج القوات الأميركية دون ترك العراق في حالة فراغ وفوضى، وقد ادعى من صاغ القرار بأنه لا يتعارض مع مواد الدستور العراقي الدائم.
ومن الجدير بالذكر بأن هذا المشروع ليس جديدا تماماً فقد سبق للسناتور بايدن نفسه أن تقدم في مايو عام 2006 بالاشتراك مع ليسلي غليب، الرئيس الفخري للجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، بخطة تفصيلية لنظام سياسي جديد في العراق يقوم على أساس تفكيك الدولة العراقية إلى ثلاثة أقاليم على أسس عرقية وطائفية ترتبط مع بعضها، وفق هذا المشروع، من خلال حكومة مركزية ضعيفة محدودة الصلاحيات تتولى حماية الحدود وتوزيع عائدات النفط، ولكن الرفض والنقد الشديد الذي جوبه به هذا المشروع أدى إلى سحبه في حينه إذ لم يكن أمامه فرصة للمرور في مجلس الشيوخ خاصة حين لم يكن للديمقراطيين أكثرية فيه.
وقد سبق لإدارة الرئيس بوش أن رفضته، ورفضته كذلك بشكل قاطع مجموعة دراسة العراق التي تناوب على رئاستها كل من الجمهوري جيمس بيكر والديمقراطي لي هاملتون، إلا أن ذلك لم يفت في عضد الديمقراطيين، فالأحداث التي جرت بعد رفض المشروع وحتى الآن قد خدمتهم كثيراً في عدد من المسارات:
1. أفرز الصراع السياسي الدائر في العراق وضعاً مأساوياً تمخض عنه وصول عدد العراقيين الفارين من بلدهم لأسباب أمنية إلى ما يقرب من 2 مليون لجأ معظمهم إلى دول الجوار، فضلاً عن 2,2 مليون لاجئ آخر شُردوا داخل العراق في مختلف محافظاته.
2. ارتفع عدد الضحايا من الجنود الأميركيين بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة، وارتفعت الخسائر المادية بشكل أرهقت البنتاغون وبددت ميزانية التحديث للقوات الجوية الأميركية التي أصبحت قديمة.
3. تحولت طبيعة الحرب على العراق التي بدأت ضد عدو معروف وأصبحت تسير الآن ضد عدو مجهول موجود في كل مكان.
4. سيطر الديمقراطيون على الكونغرس بمجلسيه.
5. تخلى بعض الجمهوريين عن سياسات حزبهم وتوجهوا نحو معارضتها.
ان مرور هذا المشروع بموافقة أغلبية كبيرة في مجلس الشيوخ، في قرار رغم كونه غير ملزم، يدعو إلى الكثير من القلق عما سيأتي به المستقبل من أحداث وذلك في سياقين مهمين :
أولهما على المدى القصير: زيادة عزلة إدارة الرئيس بوش وانحسار التأييد لها، فعدد الجمهوريين الذين أيدوا المشروع يتجاوز نصف عددهم في المجلس، وهذه ضربة قوية يتلقاها الرئيس من أعضاء كثار في حزبه، وليس هنالك من شك فيما سيكون لذلك من أهمية في تصعيد الضغوط التي يتعرض لها لإيجاد مخرج لسحب القوات الأميركية من العراق كما يصر الديمقراطيون على ذلك مدعومين من الرأي العام الأميركي.
وثانيهما على المدى البعيد: وهذا المدى في الحقيقة لا يزيد على سنة وبضع شهور، حيث من المتوقع أن يصل إلى سدة الرئاسة أحد المرشحين من الحزب الديمقراطي، وجوزيف بايدن أحد أبرزهم، حينذاك يكون مشروع التقسيم أحد الأجندة التي يلتزم بتنفيذها.
قوبل مشروع القرار باستنكار واسع من قبل الجامعة العربية ومن قبل العديد من السياسيين العراقيين، وأصدرت بعض الكتل النيابية العراقية بيانات واضحة حول موقفها الرافض لهذا القرار مفندة الإدعاء بكونه لا يتعارض مع بنود الدستور العراقي، إذ ان ما أشار إليه الدستور هو فيدرالية على أساس جغرافي وليس على أساس إثني أو طائفي.
التقسيم قبل كل شيء ليس مطلباً عراقياً بل مطلباً أميركياً، التبرير الذي يقدمه صانعو هذا القرار هو أن التقسيم مدخل إلى سيادة الاستقرار في ربوع العراق، وهذا في الحقيقة إدعاء فيه الكثير من السذاجة إذا افترضنا أن صانعو القرار يتمتعون بصفاء السريرة وليس خبث المقصد، فالتقسيم هو المدخل الفعلي للحرب الأهلية.
عودة إلى السؤال المهم نفسه، لماذا التقسيم؟، لخدمة من؟، لإلحاق الضرر بمن؟، ماذا بعد تقسيم العراق؟. أسئلة كهذه وغيرها الكثير لا تلقى عادة أجوبة مباشرة وافية، ولكن تسليط بعض الضوء على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط قد يجيب عن بعضها.
1. التقسيم ينهي وجود دولة قوية في العراق يمكن أن تهدد دول المنطقة في المستقبل، وينهي استراتيجية التوازن المحسوب على أسس كهذه، فإسقاط النظام السابق حسب ما يرى دعاة تقسيم العراق ليس ضماناً لعدم عودة عراق قوي من جديد. فهؤلاء يرون بأن السياسة الأميركية التي ترى بأن العراق الموحد ضمان استقرار المنطقة هي سياسة خاطئة ينبغي البحث عن بدائل لها، فالمقصود بالاستقرار ليس ما يجري داخل العراق وإنما ما يوفر الأمن لدول المنطقة.
2. التقسيم لا يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة، ففي تصريح أدلى به وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر لمحطة سي إن إن قبل فترة وجيزة قال فيه «لا مصلحة لأميركا في إبقاء العراق موحداً، ومن الأفضل أن نترك كل مجموعة إثنية متنافسة تشكل حكومتها الخاصة». وحين يصرح شخص مثل كيسنجر بذلك فهو لا يتناقض مع السياسية الأميركية، وهو أحد عرابيها، التي ترى بأن مصالح إسرائيل في المنطقة هي امتداد للمصالح الأميركية فيها.
وإذا أضفنا إلى ذلك ما صرح به السناتور جوزيف بايدن لتلفزيون شالوم، وهي شبكة يهودية أميركية للأنباء، في الثامن والعشرين من مارس المنصرم، تصبح الصورة أقل غموضاً.
فبعد أن قام هذا السناتور بتمجيد دور إسرائيل في المنطقة قائلاً «إنها القوة الوحيدة التي لدى أميركا في الشرق الأوسط»، مضيفاً «لك أن تتخيل كم يلزم الولايات المتحدة من السفن الحربية ومن القوات لوضعها هناك»، قال في غمرة حماسه هذا «إنني صهيوني، فليس من الضروري أن يكون المرء يهودياً، ليكون صهيونياً».
3. ترى الولايات المتحدة أن القضاء على الدول الكبيرة في منطقة الشرق الأوسط وسيلة مضمونة لتأمين مصالحها وفرض سياساتها على المدى البعيد. الاحتجاج والاستنكار والتنديد والاعتراض والرفض والإدلاء بالتصريحات الرنانة لا يكفي كموقف أمام قرار على هذه الدرجة من الخطورة، فالعراقيون على مختلف المستويات:
أفراد ومنظمات وأحزاب وتكتلات ومجالس وحكومة مدعوون إلى مراجعة مواقفهم التي أوصلت جسدهم إلى طاولة التشريح في مجلس الشيوخ الأميركي.
كاتب عراقي