عندما قال وزير الخارجية الفرنسية، برنار كوشنر، الذي ترك صفوف الحزب الاشتراكي كي يلتحق بحكومة الرئيس نيكولا ساركوزي، انه ينبغي على العالم أن (يتهيأ لما هو أسوأ)، أي إلى (حرب) مع إيران، أثار تصريحه موجة من ردود أفعال في فرنسا وفي العالم. لذلك حرص كوشنر عبر تصريحات متكررة في موسكو وفي واشنطن على القول انه قد تمّ تجاوز ما يفكر به ـ الأمر الذي يطرح إشكالية بالنسبة لشخص في هذا المستوى من المسؤولية ـ لكن الأمر الأساسي ليس في التصريح بحد ذاته.
إن ما قاله وزير الخارجية يندرج في نفس النهج الذي كان نيكولا ساركوزي نفسه قد حدد خطوطه: في نهاية شهر أغسطس ـ الماضي أثناء اللقاء السنوي التقليدي مع سفراء فرنسا. لقد اعتبر الرئيس الفرنسي آنذاك أن الأزمة الخاصة بالملف النووي الإيراني هي (دون شك الأزمة الأكثر خطورة التي تثقل على النظام الدولي). إن مثل هذا القول يندرج أيضا في إطار رؤية المحافظين الأميركيين الجدد.
ليس المقصود بالتأكيد هو نفي الأهمية المركزية للملف النووي الإيراني، كما أنه لا ينبغي لهذه الملاحظة أن تساهم في التقليل من أهمية الأزمات الأخرى التي لم تجد حلا في المنطقة ـ النزاع في فلسطين والعراق ولبنان، لكن هذا يعني أن الرئيس نيكولا ساركوزي قد قبل، كما يبدو، أولويات الإدارة الأميركية. وبقبوله ببديل يمكن تلخيصه حسب قوله ب(القنبلة الإيرانية أو قصف إيران) فإن الرئيس الفرنسي يذهب أبعد من جورج دبليو بوش نفسه.
المقصود إذن ليس فقط الإعلان المبدئي حول الصداقة الضرورية بين فرنسا والولايات المتحدة وإنما انحياز سياسي لها. ولنتذكر فقط أن نيكولا ساركوزي كان قد اتخذ موقفا مبهما، على الأقل، عام 2003 عندما قاد جاك شيراك معركة سياسية ودبلوماسية كبيرة ضد النزعة الأميركية الأحادية حيال العراق، ولنتذكر أن برنار كوشنر كان آنذاك أحد الشخصيات الفرنسية القليلة المؤيدة للحرب.
ولنتذكر أخيرا أن الرئيس الفرنسي الجديد يبدو وكأنه موافق للانتقال إلى مرحلة من العقوبات ضد إيران خارج إطار الأمم المتحدة إذا اقتضى الأمر ذلك. إن هذا الموقف يشكل قطيعة مع ما كان يشكل أحد الركائز الأساسية في السياسة الخارجية الفرنسية.
إننا إذن أمام نوع من التشكيك التدريجي لما يسمّى ب(الإجماع الديغولي ـ الميتيراني ـ الشيراكي) في مجال السياسة الفرنسية الخارجية. هكذا كان الرئيس ساركوزي قد تحدّث بكلمات مبطّنة أثناء لقائه الأخير مع السفراء الفرنسيين عن إمكانية الانضمام من جديد للبنى العسكرية بقيادة الحلف الأطلسي والتي كانت فرنسا قد انسحبت منها عام 1966 حسب إرادة الجنرال ديغول.
وفي عودة للمسألة الإيرانية يبدو لنا أن مثل هذا الانعطاف في السياسة الخارجية الفرنسية يستحق نقاشا عاما وأن لا يتم اتخاذ القرارات دون العودة إلى المواطنين نظرا لخطورتها ولأنها تخص مستقبل البلاد.
وفضلا عن أن التصريحات المختلفة المشار لها سابقا تأتي في أسوأ لحظة، فإننا نعتبر، ومع المحافظة على موقف حازم جدا حيال إيران، إنه من الضروري متابعة التفاوض دون كلل.
وبتحديد أكثر ينبغي دعم (خطة العمل) الموقعة بتاريخ 21 أغسطس ـ الماضي بين إيران والسيد محمد البرادعي، الأمين العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي التزمت بموجبها إيران بالإجابة تدريجيا من الآن وحتى شهر نوفمبر على سلسلة من الأسئلة المعلّقة حول نشاطاتها النووية التي تثار الشكوك حول تضمّنها جانبا عسكريا. وينبغي أيضا إعطاء الوقت للدبلوماسية وفعل كل شيء من أجل عدم السقوط في شرك مغامرة عسكرية قد تؤدي إلى موجة جديدة من العنف في المنطقة ومن التفجيرات في العالم.
وعلينا أن نفهم أخيرا أن تلك التصريحات ذات الوقع الحربي، مثل ذلك الذي قاله برنار كوشنر، قد أدّت إلى زيادة لحمة الإيرانيين الذي لا يتحملون أن يعطيهم الآخرون الدروس ولا أن يجري تهديدهم عسكريا. وفي إطار الظرف السياسي الإيراني الحالي يكمن الذكاء السياسي باتخاذ مبادرات وتقديم اقتراحات قد يكون منها أن تزيد الخلافات القائمة في طهران بين الأكثر تشددا الذي يجسدهم الرئيس محمود أحمدي نجاد ودعاة النزعة الواقعية العملية الجاهزين للحوار والذي يجسدهم هاشمي رفسنجاني أو ربما محمد خاتمي.
وأخيرا وليس آخر ينبغي بالقطع المحافظة على الإجماع الذي تمّ الوصول إليه في الأمم المتحدة أثناء الاقتراع على عقوبات ضد إيران في شهر ديسمبر ـ 2006 ومارس ـ 2007. ولا أحد يستطيع الشك أن هذا الإجماع سينتهي، بمبادرة من روسيا والصين، إذا جرى اتخاذ مبادرات فرض عقوبات أو أسوأ من ذلك إذ تقرر القيام بعمليات عسكرية خارج إطار الأمم المتحدة.
إن التبدلات التي تعرفها السياسة الخارجية الفرنسية تثير القلق وحتى لو أنها لم تذهب حتى اليوم إلى نهاية المنطق القائمة عليه. ونظرا للوضع في الشرق الأوسط يبقى واجب التعقل مفروضا بالقطع لاسيما وأن الولايات المتحدة هي التي كانت وراء الحرب في العراق منذ أربع سنوات وهي التي تريد اليوم، على أساس نفس الحجج، شن حرب ضد إيران.من الضروري والأساسي أن تستطيع فرنسا متابعة إسماع صوت مختلف على رقعة.
المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والاستراتيجية ـ باريس
