هذه العبارة وهذا التوقع يؤمن به الآن الأميركيون أكثر من غيرهم، ولا يمر شهر واحد في الكونغرس الأميركي إلا وتعلو الصيحات تحذر من عودة المنافسة الروسية القوية للولايات المتحدة على الساحة الدولية في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
وقد وقف الخبير النووي الأميركي جوزف كيرنكن أمام لجنة الأمن القومي في الكونغرس يندد باتفاق الرئيس بوش على التعاون النووي مع الهند قائلاً «إنه من السذاجة وعدم الخبرة أن نتصور أنه يمكن سحب البساط من تحت أقدام روسيا التي تربطها بالهند رباط كاثوليكي منذ أكثر من نصف قرن».
وكان رفض الروس والصينيين لحضور الأميركيين المناورات العسكرية المشتركة لمنظمة شنغهاي في روسيا في أغسطس الماضي بمثابة رسالة واضحة على أن نظام عالمي جديد يتشكل في القارة الآسيوية ويستهدف بالتحديد الولايات المتحدة وأطماعها وهيمنتها على الساحة الدولية.
المستشار الأميركي هنري كيسنجر قام بزيارة خاطفة لموسكو في يوليو الماضي اصطحب معه فيها الوزير الأسبق جورج شولتز، وكلاهما من كهنة السياسة الكبار في واشنطن، والتقيا بالرئيس بوتين لساعات ناقشا معه قضايا كثيرة، ولم يعلن شيء عن تفاصيل اللقاء.
إلا أن كيسنجر بمجرد عودته لواشنطن لم يجد ما يقوله للمسؤولين هناك سوى التحذير الشديد من عودة روسيا كمنافس قوي للولايات المتحدة ربما يكون أقوى بكثير من الاتحاد السوفييتي السابق نظرا لأن علاقات موسكو بجميع دول العالم أصبحت مفتوحة لا تعوقها أية عوائق أيديولوجية، وحذر كيسنجر الأميركيين من قدرة روسيا المتنامية اقتصاديا والتي تهدد بسحب البساط من تحت أقدام واشنطن في القارة الأوروبية التي باتت في أمس الحاجة لمصادر الطاقة الروسية.
الأميركيون لا يكفون عن تخويف الدول الأخرى من الطموحات الامبراطورية لدى الروس، ويقولون ان روسيا لن تتخلى عن حلمها للوصول للمياه الدافئة ولن تتخلى عن تكوين الأحلاف العسكرية الكبيرة، والروس ينكرون وجود هذه الطموحات ويقولون انهم يتعاملون مع جميع الدول على أساس المصالح المشتركة واحترام السيادة وعدم التدخل في شؤون الآخرين، ما يقوله الأميركيون لا يخلو من المبالغة وسوء النية لكنه في نفس الوقت لا يخلو من الحقيقة.
فالروس بطبيعتهم لديهم هذه الشخصية التي تشعر بالقوة والتميز وتحلم بالتوسعات والسيطرة والهيمنة وتكوين الإمبراطوريات، وهذه الشخصية لم تصنعها الحرب الباردة والشيوعية وطموحات الدولة العظمي السوفييتية بل جاءت نتيجة تراكمات تاريخية ومعطيات طبيعية.
وقد سبق أن أشار لذلك الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون في كتابه «نصر بلا حرب «الذي كتبه قبل انهيار الاتحاد السوفييتي بثلاثة أعوام وعلق فيه على سياسة البيرسترويكا التي وضعها الزعيم السوفييتي جورباتشوف قائلا «من الوهم أن نتصور أن الروس سيتراجعون عن طموحاتهم الامبراطورية، إن هذا الأمر ليس وليد الدولة السوفييتية العظمى وطموحاتها بل هو قدر تاريخي مرتبط بالأمة الروسية نفسها «، وأشار نيكسون في كتابه إلى كتاب «الديمقراطية في أميركا «الذي وضعه الكاتب والفيلسوف الفرنسي أليكسيس دي توكفيل في النصف الأول من القرن التاسع عشر .
والذي قال فيه «إن قدر البشرية لقرون طويلة قادمة أن تتسيدها أمتان هما الأمة الأميركية بمبادئها الديمقراطية وإمكانياتها الاقتصادية وطموحاتها العالمية، والأمة الروسية بطابعها الشمولي المستبد وإمكانياتها الهائلة وطموحاتها الإمبراطورية، وسيظل الصراع بين هاتين الأمتين لقرون قادمة حتى تنهك قواهما وتستهلك إمكانياتهما».
هذه العقيدة الراسخة في الفكر الأميركي والتي لا تخلو من معطيات واقعية على الجانب الروسي لا يمكن أن تؤخذ كما هي على علاتها في ظل المتغيرات التي حدثت وتحدث على الساحة الآن، والطموحات الروسية التي يحذرون منها قد تكون قائمة لكنها ليست بالضرورة طموحات إمبراطورية، فروسيا مثل الولايات المتحدة دولتان تملكان إمكانيات هائلة طبيعية وعلمية وعسكرية ونووية وغيرها، ولا يمكن لدولة بهذه الإمكانيات أن تبقى حبيسة حدودها، بل لابد لها من الخروج للعالم كله.
ولكن الفارق هنا في أساليب الخروج وأشكاله، ولا يمكن لروسيا أن تكرر أخطاء الاتحاد السوفييتي السابق كما لا يمكن لها أن تنتهج نهج السياسات الأميركية التي ثبت خطأها وفشلها في السنوات القليلة الماضية، ولهذا يمكن القول أن روسيا العظمى بإمكانياتها الكبيرة وسياسة القيادة الوطنية التي تحكمها الآن قادمة للعالم على أسس جديدة، من أهمها المصالح المشتركة واحترام سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها واحترام الشرعية الدولية ودعم السلام والأمن الدوليين، ودون هذه الأسس لن تأتي روسيا للعالم ولن يسمح لها بأن تكون قوة عظمى من جديد.