في الخامس والعشرين من سبتمبر التأم عقد الجمعية العامة الثاني والستون للأمم المتحدة.. ولقد اعتادت شعوب العالم.. ومن ضمنها محللو القضايا السياسية ومراقبو الشأن العام أن يتوقفوا مليا عند البيانات والتصريحات السياسية التي يدلي بها قادة الدول وزعماؤها الذين يفدون على مقر المنظمة الدولية في نيويورك لإلقاء بياناتهم في الجلسات الافتتاحية التي تعقدها الجمعية العامة في مستهل دورتها السنوية التي جرى العرف أن يمتد أمدها من النصف الثاني من شهر سبتمبر إلى الأسبوع الثالث قبيل عطلات عيد الميلاد من شهر ديسمبر من كل عام.
من هنا يمكن القول بأن جدول الأعمال الحافل لهذه الدورة السنوية للجمعية العامة يشكو من تجاهل الغالبية العظمى من البنود التي يضمها رغم أنها تستحق العرض والنقاش حيث أن تلك الغالبية من بنود الدورة السنوية لا تربطها صلة مباشرة مع الشأن السياسي بل هي أشد تنوعا بحيث تغطي سائر القضايا والاهتمامات، أو فلنقل الهموم التي تقضّ مضاجع العالم وتمثل مشاكل وتغطي مجالات عديدة من مشاكل البشرية.
صحيح أن مشهد ما يقرب من 100 من رؤساء الدول وزعمائها وقادتها وكبار مسؤوليها مشهد شديد الجاذبية إلى حد الإغراء أمام ميديا الإعلام.. وصحيح أن أهل الحرفة الإعلامية يظلون في حال من الترقب مشرعي الكاميرات والمسجّلات والأقلام..
ومن ثم مرهفي الأسماع إزاء ما قد يصدر من تصريحات وبيانات من زعماء الدول المتكلمين من فوق منصة القاعة التاريخية في المبنى العتيد المطل على نهر الإيست في «الميدتاون» في جزيرة مانهاتن في قلب نيويورك، فما بالك والدورة السنوية للجمعية العامة يفتتحها حسب التقاليد رئيس أميركا بوصفها دولة المقر..
وما بالك وأن دورة هذا العام شهدت رؤساء من طراز السيد نيكولا ساركوزي المستجد على رئاسة فرنسا وهو شخصية مازالت مثيرة للجدل بسبب تصريحاته الأخيرة بشأن إيران بشكل خاص ونذر الحرب في الشرق الأوسط بشكل عام..
وما بالك بحضور الرئيس الإيراني «أحمدي نجاد» الذي سبقت إلقاء بيانه في الجمعية العامة عواصف سياسية تجسدت في ندوة ساخنة شهدت تطاولا على الزائر الإيراني من جانب رئيس جامعة كولومبيا الأميركية الذي بدا أن هيئتها الطلابية قد أرغمته على حضور ندوة تحدث فيها المسؤول الكبير القادم من طهران ـ لكن الصحيح أيضا أن بيانات القادة والزعماء سوف تطوي صفحاتها بعد أسبوع أو أسبوعين من تلك الجلسات العامة ـ المفتوحة مباشرة أمام ميديا الإعلام وبعدها تنتقل الجمعية العامة حسب تقاليد أعمالها الى المناقشة العامة التي تتناول فيها بنود جدول أعمال دورتها الراهنة رقم 62.
إن المواد من التاسعة الى الحادية والعشرين من الفصل الرابع من ميثاق الأمم المتحدة، تضع الجمعية العامة في موقع أعلى هيئات المنظمة الدولية ولها «أن تناقش أي مسألة أو أمر يدخل في نطاق هذا الميثاق» وإذا كانت الجمعية العامة بوصفها هيئة التشريع للأمم المتحدة تضم كل أعضاء المنظومة العالمية وتطبق قاعدة «عضو واحد - صوت واحد» إعمالا لمبدأ مساواة الدول في السيادة الذي يعد من أهم محاور القانون الدولي وبصرف النظر عن حجم الدولة جغرافيا (المساحة) أو ديمغرافيا (سكانيا) .
أو إمكاناتها الاقتصادية أو مواردها ودخلها - فإن الجمعية العامة بهذا الشكل وهي برلمان العالم كما قد نسميها.. تمارس دورها الأساسي من خلال اللجان الست المنبثقة عنها والتي يتم تشكيلها مع انعقاد كل دورة سنوية بالانتخاب من مرشحي الدول وفي إطار يراعي مبدأين جوهريين أولهما المساواة في السيادة على نحو ما ألمحنا والثاني مبدأ عدالة (بمعنى توازن) التوزيع الجغرافي بين مناطق العالم المختلفة.
ومن النظرة المبدئية على نوعية نشاط اللجان الرئيسية التابعة للجمعية العامة يستطيع المرء أن يحيط - بإجمال واختصار - بطبيعة المشاكل التي تهم عالمنا والتي سوف تتداولها بالحوار والتحليل الجمعية العامة المعقودة في هذه الأيام.
اللجنة الأولى معنية بقضايا السلم والأمن الدوليين وفي مقدمتها نزع السلاح بكافة أنواعه سواء الأسلحة الذرية التي تناضل المنظمة الدولية للحد من انتشارها أو الأسلحة الصغيرة التي مازالت تشكل وقود الحروب الأهلية والصراعات الداخلية التي اشتعلت نيرانها في مناطق شتى من عالمنا.. وخاصة في الأقطار النامية.
اللجنة الثانية معنية بالقضايا الاقتصادية التي تشمل التنمية المستدامة والتعاون التجاري الدولي ومعالجة أزمة الديون الخارجية التي تثقل كاهل الكثير من الشعوب الفقيرة وتسخير تكنولوجيات المعلومات لأغراض التنمية.
اللجنة الثالثة تتناول القضايا الاجتماعية ما بين القضاء على التمييز ضد المرأة أو قضايا حقوق الطفل وحمايته وكفالة نمائه أو قضايا الشباب أو المسنين أو المعوقين فضلا عن تعزيز حقوق الإنسان وحرياته الأساسية واستئصال شأفة العنصرية والتمييز العنصري.
اللجنة الرابعة (أو اللجنة السياسية الخاصة) مازالت تحمل صفة لجنة تصفية بقايا الاستعمار والأخذ بيد البلدان والشعوب التي مازالت ترزح تحت نير الاستعمار إلى حيث تتأهل لأوضاع الاستقلال والتنمية.
اللجنة الخامسة هي لجنة الأموال وبالطبع فهي تستمد أهميتها من كونها الهيئة التي تحال إليها كل قرارات اللجان الخمس الأخرى لكي تبحث - بناء على تقرير من الأمين العام - فيما تصفه أدبيات المنظمة الدولية بأنه «الآثار المالية المترتبة على القرار الصادر» أيا كان المجال الذي يتعلق به هذا القرار.. هذا وإلا ظلت قرارات الإجماع الدولي مجرد حبر على ورق كما يقولون بحيث تفتقر إلى رصد الاعتمادات المالية اللازمة لتنفيذ أو تفعيل ما قد يستقر عليه إجماع العالم في إطار الجمعية العامة.
أما اللجنة السادسة - الأخيرة فهي المعنية بما يصفه «الباب واو» من جدول أعمال الدورة الحالية. واللجنة المذكورة تضم في عضويتها أبرز الحقوقيين الاختصاصيين من مندوبي الدول وتتولى تزويد الجمعية العامة بالمعلومات وإسداء المشورة بشأن القضايا والمسائل القانونية..
ومن ثم فاللجنة تتعامل مع أوضاع وأداء وقرارات المحاكم الجنائية الدولية ومع قضايا لها أهميتها في علاقات الدول من قبيل الحماية والحصانات الدبلوماسية أو القوانين المنظمة للأنشطة التي تشهدها بحار العالم ومحيطاته أو بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليا.. فضلا عن دعم برنامج الأمم المتحدة في تدريس ونشر واستيعاب القانون الدولي بشكل عام.
يضم جدول أعمال الدورة الدولية التي بدأت في الأسبوع الماضي 162 بندا.. ويلاحظ المحلل السياسي أن هذه البنود تتراوح بين مواضيع مستجدة على الشأن الدولي، ومنها مثلا قضايا حماية البيئة والتلوث الكوكبي وتغير المناخ وبين مواضيع يمكن وصفها بأنها «مزمنة» لأنها ما برحت مطروحة ضمن جدول الأعمال على امتداد سنوات وربما عقود من الزمن وما على الجمعية العامة إلا أن تتولى ترحيلها من سنة إلى أخرى ربما لأغراض الملاءمة السياسية وربما بسبب آفة الوهن التي مازالت تصيب النظام الدولي الراهن.. وربما بفعل عوامل القصور الذاتي التي تحول بين المنظومة العالمية وبين سبل البت أو الحسم في قضايا شتى.
من هذه البنود نلمح مثلا موضوع «ضرورة إنهاء الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي الذي تفرضه الحكومة الأميركية على كوبا» (البند 22) ومنها أيضا نطالع موضوع «العدوان الإسرائيلي المسلح على المنشآت النووية العراقية وآثاره الخطيرة على النظام الدولي»®. الخ (البند 27) وبديهي أن البند 22 يتصل بحصار أميركا المفروض على الجزيرة الكاريبية ورئيسها كاسترو على مدى ما يقرب من 50 عاما وأن البند 27 يتعلق بالغارة الصهيوينة التي دمرت المفاعل النووي العراقي «أوزير» منذ نحو 28 عاما.
وإذا كان البندان المذكوران يثيران في النفس أسى يستند إلى الذكريات فإن البند 43 يثير نفس الذكريات بقدر ما أنه يدفع أيضا إلى ضرورة بذل المزيد من الهمة من الجانب العربي دعما لقضاياه التي مازالت الأمم المتحدة تعترف بعدالتها: إنها تتحدث عن البند المدرج على جدول أعمال الأمم المتحدة وتجسده عبارات باللغات الست التي تستخدمها المنظمة الدولية ومنها العربية. وتنص على ما يلي:
السيادة الدائمة للشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية وللسكان العرب في الجولان السوري المحتل على مواردهم الطبيعية.
كاتب مصري