يطيب لي أن أدخل بين حين وآخر إلى موقع «ملتقى طلبة الإمارات» لأعيش أجواء الطلبة، وأعرف اهتماماتهم عن كثب، وطبيعة الأمور التي تشغلهم من وقت لآخر، وهل تتأثر بالمستجدات الحاصلة ـ على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية ـ على نحو آني، أو أنها تعبر عن جماعة منغلقة على ذاتها، تتناول مواضيع تمثل لها نقطة ارتكاز.

بينما تقع في الواقع على هامش الحياة بمعناها الإنساني العام. وقد كانت آخر مرة دخلت فيها هذا الموقع قبل أيام، بعد انقطاع دام أمدا أطول مما هو معتاد، فوجدتُ الأعضاء كما عرفتهم من قبل، شعلة من حماس وتفاعل، يكتبون كأنهم خلقوا لرفقة القلم، أو ـ إذا شئنا استخدام لغة العصر وأدواته ـ كأنهم خلقوا لرفقة الشاشة وأصابع لوحة المفاتيح، ويتفاعلون تفاعل من أدرك أن الحياة ليست إلا هذا التفاعل الحي، وما عداه هو شكل من أشكال الموت.

كل هذا كلام جميل جدا، ويعطي صورة مشرفة للطالب الإماراتي، وكم تمنيتُ وأنا أقلب طرفي بين صفحات الموقع وزواياه وأن يتحول هذا العالم الرائع إلى حقيقة -على الرغم من وجود سلبيات سبق أن تحدثت عن بعضها في موضع آخر، لكنها لا تغضّ من قيمة الموقع والجهد المبذول عليه.. أريد - بلمسة سحرية ـ أن يكون هذا الملتقى واقعا لا سرابا افتراضيا،.. أن يكون مكانا ماديا، يمكننا أن نذهب إليه وأن نجلس فيه ونتجول بين أقسامه المختلفة.

ونتحاور ونتناقش وجها لوجه، وأن نختلف حين يكون الاختلاف ضروريا ومفيدا، وأن نتفق حين يتطلب الموقف الاتفاق، وأن نعود في آخر كل مساء إلى منازلنا محمّلين ببقايا أصوات مناقشاتنا، التي انتهت منها والتي لم تنتهِ، لنبحث ونستقصي، ونسعى لإيجاد أدلة تدعم رأينا، ونستعد لعرضها في اللقاء التالي في المكان ذاته، الذي لا بد أن يكون متنفسا لجميع أعضائه، كما يبدو الآن بالفعل، ولكن عبر الشاشة الزرقاء.

لا أعرف إن كانت هذه الأمنية مقبولة أو غير مقبولة، ولكنها على الأقل مبررة بالنسبة لي، لأنني أجد أن هؤلاء الأعضاء - وهم الطلبة والطالبات الموجودون في مدارسنا وجامعاتنا وكلياتنا ـ يعيشون أجواء جميلة، ولكنها ليست واقعية، هم يؤدون دور الطلبة الطبيعي، ولكن من خلال منبر افتراضي، والأصل هو أن يؤدى هذا الدور في عالمهم الواقعي الحقيقي.

إنني أتساءل المرة بعد المرة، وأنا أتصفح هذا الموقع تحديدا، ومثله عدة مواقع أخرى، أين كل هؤلاء الأعضاء في الواقع، لماذا نراهم بهذه الصفات في العالم الافتراضي، ولا نراهم كذلك في العالم الواقعي؟ كيف يمكن أن يكونوا في العالم الافتراضي بشكل، وفي العالم الواقعي بشكل آخر؟

لا أقصد من كلامي التعميم كي لا أظلم الطلبة والطالبات المتميزين في مدارسهم وجامعاتهم على مستوى التحصيل الدراسي والأنشطة الإضافية، ولكني أتحدث عن مجموعة لا يمكن أن يُستهان بعددها، التي تهمل ـ في العالم الواقعي ـ كل شيء مفيد، وتندفع نحو كل ما لا يفيد وإن لم يضرها بشيء.

ولن أقارن نشاط هؤلاء الأعضاء بأكثر مما يحدث في الحرم الجامعي، مع العلم بأن ما سأشير إليه من صفات للطالب أو الطالبة في قاعات الدرس الجامعي يمثل رأي شريحة كبيرة من أساتذة الجامعة في أقسام مختلفة، وهي الشكوى التي يكاد يرددها كل الأساتذة في أي لقاء أو اجتماع رسمي أو غير رسمي، إذ يجمعون على سلبية الطالب.

وانعزاله على نفسه، وعزوفه عن التفاعل والمشاركة في الأنشطة الصفية وغير الصفية، وزهده في كل ما لا يحقق له متعة مباشرة، هذا فضلا عن زهده فيما يحقق له الفائدة، ويعود عليه وعلى مجتمعه بالنفع، ابتداء من حضور المحاضرات الدراسية التخصصية والمشاركة فيها، وانتهاء بحضور المحاضرات والأنشطة الثقافية العامة والتفاعل معها!

إن هذه السلبية المتفشية بين معظم طلابنا وطالباتنا تشلّ الآمال المعلقة على الجامعة بوصفها مركزا تنويريا في المجتمع، وتكبّل أيدي الأعضاء النشطين فيها وتحُول دون قيامهم بدورهم في استفزاز طاقات الطلبة وتفعيلها بما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالخير، لأنهم لا يظهرون تفاعلا مع أي نشاط، ويحرجون منظمي الأنشطة مع ضيوفهم الذين يقطعون آلاف الأميال لتقديم محاضرة أو إقامة أمسية شعرية أو غير ذلك لهؤلاء الطلبة ثم لا يجدون منهم أحدا يجلس أمامهم ويستمع إليهم إلا أعضاء لجنة التنظيم فقط من الطلاب، والبقية من أعضاء هيئة التدريس المهتمين بموضوع النشاط.

وفي الوقت نفسه، نجد أن هؤلاء الطلبة نفسهم يبدون تفاعلا منقطع النظير ـ في العالم الواقعي أيضا ـ مع أنشطة ترفيهية بالدرجة الأولى، لا تعود عليهم بفائدة بعيدة المدى، وهي أنشطة لا تضر بالطبع، ولكنها لا تفيدهم في الغالب، وهذا بلا شك يعكس اهتماماتهم، ويعبر عن واقعهم الذي يقضونه فيما لا ـ ولن ـ ينفعهم مستقبلا.

والمحزن في الأمر هو أن طلبة الجامعة الذين يُحسَبون ضمن النخبة المستقبلية لا يهمهم أن يحصلوا العلم والمعرفة بقدر ما يهمهم أن يحصلوا الشهادة أحيانا بتقدير مرتفع، وفي أحيان كثيرة دون اهتمام بالتقدير،..

وحين يكون هذا أقصى غايتهم، كيف نطالبهم بما هو أكثر من ذلك، وكيف نتوقع منهم أن يتفاعلوا مع ضيف جاء من دولة عربية شقيقة ليحدثهم عن موضوع في التاريخ أو الأدب أو الاقتصاد أو غير ذلك؟ وكيف نتوقع منهم أن يملأوا قاعة تتسع لمئات الأشخاص في أمسية شعرية أو قصصية إذا كانوا لم يلتحقوا بالجامعة إلا من أجل الشهادة؟

إننا حين نطالبهم بالإعداد للمحاضرة القادمة، أو نسألهم في معلومة سبق أن ذكرناها أمامهم لا نسمع منهم إلا ما يستدرّون به شفقتنا لأنهم لا يجدون وقتا للتحضير والمراجعة بسبب ضغط «الدوام» والأبحاث والتقارير والمشاريع وما إلى ذلك، وإذا كان الوقت هو «الشماعة» التي يعلقون عليها إهمالهم في واجباتهم، فإنه سبب أكثر إقناعا بالنسبة لهم للانقطاع عن العالم من حولهم، وعدم معرفة أبسط المعلومات العامة، وجهل أي حدث من الأحداث المهمة المعاصرة التي تفجؤنا أو تفجعنا كل ساعة.

في «ملتقى طلبة الإمارات» أرى طلابا مختلفين، على قدر من الوعي والتنظيم، وأتمنى أن يكونوا هم الطلاب الذين نمرّ بهم ونحن سائرون في ممرات الجامعة فنجدهم يتحدثون ويتناقشون، ولكن حين نصيخ السمع نجدهم أبعد ما يكونون عن أي موضوع علمي، فقد يتحدثون عن الدرجات، والسحب والإضافة، ومواعيد الامتحانات، ولكن لا نسمعهم - في الغالب ـ يتحدثون عن مضمون المادة نفسها وواجباتها ومراجعها وزيارات المكتبة من أجل الإعداد لها وغير ذلك.

ربما يكون بعض من أمر بهم بالفعل من أعضاء الملتقى، لكنهم يظهرون هناك بملامح شخصية مختلفة عما يظهرون به في العالم الواقعي، وعلى الرغم من أن معظم الناس يذهبون إلى أن الشخصية تكون مزيفة في العالم الافتراضي، إذ لا يظهر الأشخاص الإلكترونيون على حقيقتهم بل يصطنعون شخصية أخرى ويتقمصونها طوال اتصالهم بالشبكة، إلا أنني - وبكثير من التفاؤل ـ أعتقد أن طلابنا يظهرون بشخصياتهم الحقيقية في العالم الافتراضي، الذي احتضنهم.

وقدَّم لهم كل ما يمكن أن يتمناه أي طالب طموح وصاحب طاقة متوهجة، بينما لا تظهر هذه الشخصيات على حقيقتها تماما في العالم الواقعي، إما لأنهم لم يجدوا فيه المكان المناسب لهم، أو لم يجدوا فيه الأشخاص الذين يفهمونهم ويتقبلونهم بجميع حالات تعقلهم وجنونهم، أو لغير ذلك من الأسباب. الاختلاف القائم بين العالمين الواقعي والافتراضي واضح ومعروف ولا يحتاج إلى إثبات، والإمكانات التي يتميز بها العالم الافتراضي على العالم الواقعي أكثر من أن تُحصىفهي تبدأ بميزة التستر وأقنعة الأسماء المستعارة، وتمر بتخففها من الرقابة.

والقدرة على ممارسة حرية الرأي إلى حد أكبر مما هو مسموح به في العالم الواقعي، ولكنها لا تصل إلى نهاية، أو لا نكاد نعرف لامتيازاتها الكثيرة حدا يمكن أن تقف عنده. لذلك يبدو لي أن هؤلاء الطلبة ينطلقون بنشاط أكبر في العالم الافتراضي، ويفرغون الكثير من طاقاتهم من خلاله، ويعيشون حالة هدوئهم واستراحتهم في العالم الواقعي، وهو ما يجب التفكير فيه بعمق واهتمام، للوصول إلى معادلة مقبولة بين الواقع والافتراض.

جامعة الامارات

sunono@yahoo.com