كلف العاهل المغربي محمد السادس عباس الفاسي زعيم حزب الاستقلال تشكيل الحكومة المغربية الجديدة . وبعيدا عما سوف تسفر عنه مشاوراته، نستطيع القول إن الانتخابات المغربية الأخيرة كرست صورة جديدة للاستقرار السياسي في المغرب تختلف عن تلك التي سادت منذ الاستقلال وحتى الآن .
فقد كان التوازن السياسي في المغرب يقوم على استقطاب بين كتلتين رئيسيتين هما : «الكتلة الديمقراطية» وتضم أحزاب اليسار وهى : الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والاستقلال، والتقدم والاشتراكية، ومنظمة العمل الاشتراكي الشعبي، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية .
أما الكتلة الثانية فيطلق عليها مسمى «الوفاق» وتعبر عن اليمين وتضم الأحزاب التي كانت قريبة من القصر الملكي في عهد الملك الحسن الثاني وتضم أحزاب : الحركة الشعبية ،والاتحاد الدستوري، والوطني الديمقراطي ،والحركة الديمقراطية الاجتماعية . وقد حاول القصر تأسيس أحزاب تقف في منطقة الوسط بين التيارين لكنها انتهت عمليا إلى أن أصبحت جزءا من كتلة الوفاق وعلى رأسها حزب الوفاق الذي أسسه احمد عصمان الذي كان ينتمي بصلة نسب إلى الملك الحسن الثاني عاهل المغرب الراحل .
وقد بدا التحول في الخريطة السياسية المغربية مع بروز حزب العدالة والتنمية، المتحالف مع التيار الاسلامى حيث استطاع أن يدخل إلى البرلمان ويصبح حزب المعارضة الرئيسي فيه، و العدالة والتنمية كان يعرف من قبل باسم الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية وصنفه المحللون على الدوام باعتباره إسلامي معتدل وهناك من كان يعتبره قريب من القصر الملكي وأطلق على أعضائه لقب اسلاميى القصر الملكي ذلك أن أعضاء من «حركة الإصلاح والتجديد» ـ وهي حركة إسلامية مغربية كانت قريبة من القصر في فترة من الفترات - قرروا الالتحاق بالحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية بعدما فشلوا في تأسيس «حزب التجديد الوطني» ذي التوجه الإسلامي وذلك في مايو من عام 1992 .
وقد سمح الدكتور عبد الكريم الخطيب الأمين العام للحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية لهذة المجموعة من «الإصلاح والتجديد» بالعمل في إطار حزبه بشرط دخولهم كأفراد وليس كتنظيم. ومع دخول تلك الجماعة في الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية جرت محاولات لتغيير اسمها حتى تعبر عن الوضع الجديد.
وفي نهاية عام 1998 أصبح اسم هذه التشكيلة السياسية «حزب العدالة والتنمية». وكانت النقلة النوعية في مسيرة هذا الحزب في انتخابات عام 2002 عندما أصبح حزب المعارضة الرئيسي على الرغم من أن المقاعد التي حصل عليها لم تكن تؤهله للعب هذا الدور ولكن تشكيلة الحكومة المغربية هي التي مكنته من أن يلعب هذا الدور.
ولم تترسخ هذة الخريطة السياسية التي تعبر عن توازن سياسي جديد إلا مع الانتخابات الأخيرة، ذلك أن معظم المراقبين للشأن المغربي، كانوا يعتقدون ان تحولا دراماتيكيا سوف يطرأ عليها، وان ينطلق العدالة والتنمية إلى الصدارة مكررا التجربة التركية، ولكن جاءت نتيجة الانتخابات الأخيرة لترسخ الوضع الذي بدا مع انتخابات عام 1997 واستمر في انتخابات 2002.
ولم يحدث التغيير الدرامي المتوقع لأسباب تتعلق بالوضع السياسي والاجتماعي في المغرب الذي يختلق بالطبع عنه في تركيا وفى سائر الدول الإسلامية . وحسبما يقول المؤرخ بشير موسى نافع فان أهمية الانتخابات المغربية تأتي ليس من اكتساح الإسلاميين لها للانتخابات، بل من إخفاقهم في تحقيق الأهداف التي وضعوها لحملتهم الانتخابية.
فما تقدمه الانتخابات المغربية الأخيرة حسبما يقول ونتفق معه فيه لهو دليل آخر علي الأوهام الكبرى التي اصطنعتها سياسة وآلة (الإسلاميون قادمون) وهى سياسة تستفيد منها قوى في الخارج التي ترى أن العالم العربي لا يقبل سوى الإسلاميين لحكمه وهى سياسة معطوفة على صراع الحضارات ،وأخرى في الداخل تسعى لان تجعل المجال السياسي كله حكرا على الإسلاميين فقط، وأيضا قوى حاكمة تريد أن تقنع الغرب أن أي تطبيق ديمقراطي لابد وان يكون لصالح الإسلاميين فقط .
وقد أثبتت نتائج الانتخابات المغربية أن القوي الإسلامية الديمقراطية، كما الاتجاه الإسلامي السياسي ككل، هي قوي بالغة التعدد والتنوع، سواء علي مستوى الخطاب والسياسات، أو على مستوى الشعبية والقدرة على جذب الأصوات، أو فيما يتعلق بالسياق الذي يحيط بوجودها وعملها، ومن ثم إنجازاتها وإخفاقاتها. وبالتالي فان هناك أوضاعا عربية وإسلامية تنبئ باكتساح إسلامي سياسي حاسم في حال عقدت انتخابات حرة وشفافة ونزيهة.
وفى الوقت نفسه هناك أوضاع عربية مغايرة لذلك تماما اى لا تتوفر فيها الشروط الموضوعية لمثل هذا المآل. وفي حال فوز قوة إسلامية سياسية في الانتخابات، فليس ثمة من ضمانة لفوزها في الانتخابات التالية. وقد أثبتت نتائج الانتخابات المغربية أن النموذج التركي ليس هو النموذج المثالي الوحيد القابل للتطبيق في كافة الدول الإسلامية حيث أوحت التحليلات الغربية قبيل الانتخابات بهذا المعنى وسارت في ركابها تحليلات عربية كثيرة أيضا .
بل يمكن القول انطلاقا من هذه الانتخابات ان الديمقراطية العربية لو طبقت يمكن أن تفرز نماذج متعددة للتواجد الاسلامي في الخريطة السياسية واحد منها هو أن يكون التيار الاسلامي محور توازن بين اليمين واليسار كما هو عليه الحال الآن في المغرب .
ولكن لابد من الإشارة إلى نقطة مهمة ونحن بصدد تناول التوازن السياسي الجديد في المغرب وهى انه يجب التعامل معه باعتباره توازنا هشا وليس مستقرا لان نسبة المقاطعين للانتخابات وصلت إلى 63 % من أعداد الناخبين . فضلا عن أن 19 من الذين أدلوا بأصواتهم فيها وهم 37 % فقط أبطلت أصواتهم بسبب أخطاء في عملية التصويت .
وهذا الأمر يضعف من شرعية اي حكومة مغربية مقبلة، بل ويمكن القول إن المقاطعة التي حدثت للانتخابات والتي دفعت محللين إلى القول إن حزب المقاطعين هو الذي فاز في الانتخابات التشريعية الأخيرة في المغرب، أكدت أن خطاب معظم الأحزاب السياسية لم يستطع أن يتماس مع هموم المواطنين المغاربة أو القطاع الأكبر منهم على وجه الخصوص .
وهو الأمر المرتبط بظاهرة مغربية هي عدم التسييس خاصة في شكله الحزبي لدى أغلب فئات الشعب المغربي وخاصة الشباب الذي أصبح معظمهم يفضلون الانخراط في العمل التنموي بدلا عن الانخراط في الأحزاب السياسية . وهذا الأمر الذي لابد من أن تبحث له الأحزاب المغربية على حل لأن تداعياته السلبية يمكن ان تكون خطيرة في المستقبل.
كاتب مصري