يعرف عن اليهود مهارتهم في التجارة، لذلك تراهم يسيطرون على البورصات العالمية ووسائل الإعلام وصناعة السينما، كما لا يتورع كثير منهم عن الضلوع في أنشطة الاقتصاد الأسود إذ إنه يتيح لهم أرباحاً وفيرة، ولذلك تجد لهم باعاً في المخدرات والقمار والرقيق الأبيض.
أشهد لليهود بهذه المهارة، كما أشهد لهم بالتفوق في الاتجار بالمآسي .. هم يتاجرون بمآسيهم وبمآسينا نحن أيضاً، فمثلما اتجروا بالهولوكوست ووظفوها سياسياً واقتصادياً وجنوا منها عوائد ضخمة، كانوا المستفيد الأكبر من كل حروب المنطقة بما فيها الحرب العراقية ـ الإيرانية الطاحنة، وغزو العراق على يد الولايات المتحدة، ووظفوا هجمات 11 سبتمبر كأحسن ما يكون التوظيف لخدمة مصالحهم.
الآن جاء الدور على مؤتمر الخريف المقبل الذي دعا إليه بوش، ففضلاً عن أن فكرة المؤتمر إسرائيلية خالصة عرضها أولمرت خلال أحد لقاءاته بالرئيس الأميركي، فإن محتواه وتفاصيله لا تزال محل غموض كبير، فليس مؤكداً حتى الآن من الذي سيحضر؟ وأي أفكار ستتم مناقشتها؟
هل سيكون شبيهاً بمؤتمر مدريد أم أنه مجرد لقاء كما يحلو لبعض المسؤولين الأميركيين وصفه؟ ما الذي يمكن أن تقدمه الأطراف المدعوة للمؤتمر؟ وهل سيناقش جوهر الصراع أم حواشيه؟
بداية يبدو أنه ليس لدى أولمرت وفريقه الموجود في السلطة مشروع سلام من أي نوع، فتل أبيب تدرك جيداً أن تحقيق تسوية مقبولة في المنطقة يفرض عليها أن تتراجع إلى ما وراء حدود 4 يونيو 1967، لكن الطرف الإسرائيلي بات يعتبر هذا الطلب نوعاً من الماضي، فالظروف تغيرت عربياً ودولياً .. إذ إن العرب الذين كانوا يملأون أفواههم بهذا الطلب بادوا.
وحل مكانهم عرب آخرون كانوا أعلنوا في البداية أنهم يرضون بما يرضى به الطرف الفلسطيني، ثم تراجعوا إلى حد أنهم أصبحوا أدوات ضغط أميركية وإسرائيلية، فالأموال التي تعين الفلسطينيين على الحياة والنضال يمكن وقفها بإشارة من واشنطن، والموقف السياسي أصبح يغير جلده من لحظة لأخرى فضلاً عن أن الخطاب المعلن شيء وخطاب الجلسات السرية شيء آخر.
وهناك إشارات لا تخفى على أحد، فمصر وسوريا اللتان كانتا رأس الرمح في أي حسابات سياسية أو عسكرية مصابتان بالوهن، فالقاهرة دخلت صفقة تقوم على إطلاق يد السلطات المصرية في فعل ما تريد بملفات التوريث والتعامل مع المعارضة الغاضبة مقابل تسهيل حل القضية الفلسطينية.
وهو ما يعني تمهيد الساحة الفلسطينية لتنازلات عبر التوقف عن دور حمامة السلام بين الأطراف الفلسطينية، أو الضغط على المعتدلين لتوقيع اتفاق بأي ثمن، وعزل المتشددين على الساحة الفلسطينية عبر البوابة المصرية ( وهو ما أشار له سعد الدين إبراهيم في أحد مقالاته الأخيرة).
أما سوريا فقد أعلن نائب الرئيس فيها قبل أيام بشكل صريح أنها لاتفكر في خوض حرب ضد إسرائيل لا في الأمد القريب ولا البعيد .. وهو تصريح يذكر بمقولة السادات إن حرب أكتوبر هي آخر الحروب. وهذه المواقف لا تفهم إسرائيلياً إلا بمعنى أن العرب الآن جاهزون للإملاءات أكثر من أي وقت مضى، وعليه فإنه من العبث السياسي أن تعد تل أبيب نفسها لتقديم تنازلات لم يطلبها منها أحد.
بهذا الشكل فإن مؤتمر الخريف في عيون إسرائيل لا يختلف كثيراً عن مؤتمرات المانحين، لذلك فإن كل ما يهمها ليس حضور سوريا ولا لبنان، وهما طرفان أصيلان في الصراع بقدر حضور الدول الخليجية، فعيون صانع القرار الإسرائيلي على الاستثمارات الخليجية التي ترفدها عوائد نفطية كبيرة، وعلى التطبيع الاقتصادي الذي يتيح تبادل السلع والخدمات دون وسطاء كما يحدث الآن مع بعض الدول.. أما حين يتحدث أحد عن استحقاقات سياسية أو انسحابات فإن الطرف الإسرائيلي يتحسس مسدسه.
قبل أيام خرج أبو مازن منتشياً من سلسلة مقابلات مع مسؤولين أميركيين، فتحدث عن طموحات وعن معاهدة سلام متوقعة بحلول يونيو 2008، لكن الإسرائيليين لم يمهلوه ساعات ينعم فيها بالخيال، وردت تسيبي ليفني فيما يشبه التأنيب «إن على الطرف الفلسطيني ألا يتحدث إلا عما هو ممكن». بكلام آخر إن ما صرح به أبو مازن مستحيل.
قبل مؤتمر الخريف يحتاج العرب إلى ترتيب البيت من الداخل، ولو كانت هناك جدية بالمعنى الذي نعرفه لتداعت العواصم إلى قمة تتم فيها عقد مصالحة بين فتح وحماس، فالذين يتحدثون عن الشرعية والديمقراطية يفترض ألا يكونوا شركاء في إبرام اتفاق مع قوة واحدة لاتعبر عن كامل الشارع الفلسطيني ويستبعد من التوقيع عليه القوة التي حصدت معظم أصوات الناخبين في آخر انتخابات.
مطلوب أيضاً أن يتفق العرب على أجندة واحدة للمؤتمر وتراتب لما يمكن أن يناقش، فالقضية السياسية وإقامة دولة فلسطينية حرة وذات سيادة ينبغي أن تكون لب النقاش، أما الذهاب بلا هدف وترك أطراف صغيرة تعبر عن مواقف كبيرة ..
أو الحديث عن استثمارات ومشاريع مشتركة فيما تراوح القضية الفلسطينية مكانها، وتستمر معاناة شعب ظل يعيش مأساة التشرد واحتلال الوطن منذ 60 عاماً، فليس إلا نوعاً من الجلوس على نفس أرضية بيريز وأولمرت وبوش وبلير، وهو عمل ننأى بأي عربي حر عن فعله.