لعب سفراء النوايا الحسنة الذين يعرفون بالكثير من التسميات دوراً كبيراً في تقريب وجهات النظر والتمهيد للمصالحات السياسية الشهيرة.

وأصبح المبعوث الدولي يتمتع بحصانة وثقل دولي يوازي ثقل دولة أو في مستوى رئيس حكومة، إلا أنه يبقى الطرف المحايد الذي يحمل أوراقا لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظره بقدر ما تعبر عن وجهة نظر المصلحة الدولية العامة وحفاظا على السلم والأمن العالميين.

وفي فجر الإسلام قام الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، ببعث رسله وسفرائه إلى كثير من الوجهات التي كانت تمثل تحديا كبيرا في إسلامها، وكان عليه السلام، ينتقي السفير بناء على كثير من العوامل الواجب توافرها في شخصه، مثل لباقته وكياسته وحسن أخلاقه وسماحة نفسه ولعل اختياره لشخصية «مصعب بن عمير» كان له الأثر البالغ في نجاح مهمته في المدينة حين بعثه عليه السلام ليفقّه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول عند العقبة، ويدخل غيرهم في دين الله.

ويعدّ المدينة ليوم الهجرة العظيم، وحمل مصعب الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من رجاحة العقل وكريم الخلق، واستطاع أن يغزو أفئدة المدينة وأهلها بزهده وترفعه وإخلاصه، فدخلوا في دين الله أفواجا.

وحول خصوصية التجربة الإسلامية في انتقاء الرسل والسفراء الذين ساهموا في التعريف بالعقيدة الإسلامية ورفع راية الإسلام، نجد أن الرسول العظيم كان عظيما في انتقاء سفرائه بل عظمته كانت تتجسد في انتقائه للخطاب الذي يحمّل مع السفير، وفهمه عليه السلام لنفسية الملوك والزعماء الذين يوجه إليهم خطابات الدعوة إلى الإسلام، فكان عليه السلام يحرص على مناداتهم بأحب الألقاب إلى نفوسهم، الأمر الذي دفع بالمقوقس «ملك الأقباط» بحسن استقبال سفير النبي -صلى الله عليه وسلم- «حاطب بن أبي بلتعة» وإكرام وفادته، وقد أعجبه عقله ومنطقه في الكلام، فقال له: أنت حكيم جاء من عند حكيم، ثم دعا كاتبًا له يكتب بالعربية، فكتب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ردًّا على رسالته:

«لمحمد بن عبد الله من مقوقس عظيم القبط، أما بعد، فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرته وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيًا بقى وقد كنت أظن أن يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان من القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها.. والسلام».

وهناك من السفراء الذين استطاعوا أن ينجحوا في مهمتهم وهي الدعوة إلى الإسلام واستطاعوا أن يكسبوا قلوب الزعماء، ولعل من أشهرهم السفير الصحابي عمرو بن العاص الذي اسلم على يده ملكي «عمان جيفر» و«عبد» ابني «الجلندى» وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقدر «عمرو بن العاص»، ويقول عنه: «أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص».

ومن المفارقات التي حدثت أن قام بعض السفراء بتولي الولاية على بعض الأمصار التي ذهبوا إليها كسفراء ومبعوثي للرسول الكريم، ومنهم السفير العلاء الحضرمي الذي ذهب إلى البحرين سفيرا إلى المنذر بن ساوى ثم أمر «البحرين» وظل واليًا عليها حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اشتهر «العلاء بن الحضرمي» بأنه كان مجاب الدعوة، وأنه خاض البحر بكلمات قالها ودعا بها فاستجاب الله له.

وفي الوقت الحديث يلعب الداعية الإسلامي دور السفير الذي لعبه أشهر صحابة رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، ومع اختلاف الزمن ومع تجدد فراغ الدعوة إلى الإسلام، نجد رجالا آلوا على أنفسهم حمل شعلة الهداية لكثير من المناطق التي ترزح تحت وطأة الجهل والتعتيم وهناك مجمعات بشرية منسية بمعنى الكلمة وهي التي لم يدخلها الإسلام أو أية عقيدة غيرها.

بل ظلّت خارج حدود الزمن بالمعنى الدارج تخلفا وجهلا، وهنا تصبح مهمة الداعي الذي نذر نفسه لهذه المهمة الشاقة أعظم تحديا لأنه يلج إلى المجهول ولا يدري هل يتوفاه الله في ارض غريبة لا يعرف بأي لغة يخاطب أهلها، ولعل بعثات الدعوة إلى مجاهيل افريقيا السوداء هي البعثات التي حققت نجاحا أكبر وكان لوجود ثلة من الدعاة لعل أشهرهم الداعي الإسلامي الشيخ «عبد الله فوديو» الذين انتصر به دين الله، فقد قاد الجيوش وجاهد من أجل نشر الإسلام وكان أحد مؤسسي الدولة الصكتية، أكبر دولة إسلامية في العصر الحديث في غرب إفريقيا جنوب الصحراء.

أما الطبيب الداعية عبدالرحمن السميط فيعد من أشهر الدعاة في زماننا المعاصر والذي دخل الإسلام على يديه أكثر من مليون شخص أفريقي ويلقّب «بخادم فقراء افريقيا» وحول أبرز التحديات التي تواجه المسلمين في افريقيا يقول الدكتور عبد الرحمن: ما زال التنصير هو سيد الموقف، أما عن الانجازات التي تحققت بفضل الله فيقول «السميط»: لقد أسلم في أثيوبيا وشمال كينيا خمسون ألفاً من قبيلة البوران، وأسلم ثلاثون ألفاً في شمال كينيا من قبائل الغبرا والبرجي.

وأسلم مئات الألوف في رواندا ومثلهم في ملاوي و80 ألفاً أسلموا في جنوب تشاد وستون ألفاً في جنوب النيجر وعشرات الألوف في جنوب السنغال وغينيا الغابية وبنين وسيراليون وغيرها... وهذا ما جعلني أشعر بعظم مسؤوليتي أمام الله، وأن الطريق طويل والعقبة كئود والزاد قليل، فكيف ألقي عصا الترحال وهناك الملايين ممن يحتاجون للهداية وأنا بحاجة إليهم يوم القيامة ليشهدوا لي لعلي أدخل الجنة بدعاء واحد منهم؟

ومع هذه العقلية التي تشعر بمسؤوليتها أمام الله عن استمرارية وتجدد الدعوة إلى الإسلام يقف البعض مناديا بكف أيدي المسلمين عن نشر الإسلام، والعمل بالآية الكريمة «لكم دينكم ولي دين» دون أن يفهم سياق المعنى في الآية، مما أدى الأمر إلى تقاعس المسلمين عن الدعوة لهداية البشر الذين يعيشون في مجتمعاتنا الإسلامية بل يعيش بعضهم في بيوتنا دون ان نعير الأمر أهمية، بل لا يتذكر البعض أن قام بشرف المحاولة لهدايتهم وبخاصة خدم البيوت الذين يعيشون دهرا في بيوت إسلامية دون أن يسمعوا دعوة سماحة للدخول في دين السماحة، فهل نحن معفيون أمام الله من هذه المسؤولية العظيمة.

كاتبة إماراتية