يروى عن الإمام علي (كرم الله وجهه) - الذي قال عنه الرسول الكريم: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، أنه بعد أن انتهى من أحد خطبه، التفت إلى المصلين وقال لهم: «اسألوني قبل أن تفقدوني، فإني أعلم من علوم السموات أكثر من علوم الأرض» - فانبرى له أحدهم ممن كان يبغض الإمام ويحقد عليه وسأله مستهزئا: (هلا أخبرتني كم شعرة في رأسي!) .. فرد عليه الإمام مبتسما: (بعدد الشياطين التي تسكن فيه)، ونزل عن المنبر وخرج متألما.
هذه الحادثة إن صدقت، تذكرنا بما حدث قبل أيام في واحدة من أبرز جامعات الولايات المتحدة الأميركية: جامعة كولومبيا في نيويورك. فقد جاء الرئيس الإيراني إلى هذه الجامعة بدعوة رسمية من رئيسها لي بولينجر بهدف الحوار والنقاش والتفاهم والتقارب الفكري بين الشعوب.
في حقيقة الأمر، فإن هذه واحدة من أهم المهام التي تقع على عاتق الجامعات للتقريب بين وجهات نظر الشعوب المختلفة خاصة فيما بين الشرائح المتعلمة والمثقفة وطلبة الأبحاث العليمة. وأتصور أن الرئيس الإيراني قد لبى هذه الدعوة اعتمادا على هذه النية وليس لتحويل المسيحيين إلى الإسلام.
ولا إلى إثارة الفتن التي هو اليوم أكثر الناس في غنى عنها، ولتوضيح وجهات نظره حول كثير من المسائل المعقدة بين الشرق والغرب. فالعالم يعيش حالة من الهستيريا العدوانية، بدأت بوادرها على أرض الولايات المتحدة منذ الحادي عشر من سبتمبر مرورا بالمملكة المتحدة التي غابت عنها الشمس في الشرق ومن ثم إيطاليا وألمانيا وتنتشر اليوم بشكل مريب في فرنسا.
لقد ذهب نجاد ببساطته المعتادة، بدون ربطة عنق، ولا ساعة كارتييه، ولا حقيبة جلد فاخرة... ولم يحمل في يده زرا يكفيه بالضغط عليه لتنطلق الصواريخ النووية لتحرق العالم، ولم نشاهد حرسا مدججين بالسلاح يحيطون حوله وهو المستهدف من أكثر من مئة جهة، ولا يلبس سترة واقية. وربما كان يحلم بأن يتحول لقاؤه هذا مع رئيس الجامعة وعمدائها ورؤساء أقسامها وطلبتها إلى ساعة من الحوار العلمي بين الشرق والغرب، بدلا من النظريات التي تدعم التوجه العالمي نحو صراع الحضارات...
وفي الحقيقة ليس فقط محمود أحمدي نجاد الذي كان يأمل بهذا الأمر، بل كلنا جميعا، بعد أن مللنا من الكره المتزايد بين حضارتين قديمتين: حضارة الشرق وحضارة الغرب. ولطالما سمعنا عن اتزان الجامعات الغربية مقارنة بجامعات دول العالم الثالث أو النامية، بحيث أصبحنا نحلم بابتعاث أبنائنا إليهم رغم توفر ألاف الجامعات في الشرق الأوسط.
كنا نتصور أن الديمقراطية الغربية وصلت إلى درجة من الرقي بحيث أصبح الحوار معها هادفا بعيدا عن العقم الذي كان يسيطر على عقول القرون الوسطى وعصور الجاهلية الأولى.
كنا نتصور وكان الرئيس الإيراني معنا يتصور وهو في طريقه إلى تلك القاعة بأنه سيقابل آلاف الطلبة الأمريكيين المتزنين المتعطشين إلى المعرفة والبحث عن الحقيقة وانتهاز فرصة وجود رئيس جمهورية كجمهورية إيران الإسلامية بلحمه وشحمه ودمه أمامهم وجها لوجه لكي تتوضح كثير من المسائل الغامضة.
وللتعرف على شعب من شعوب الشرق الأوسط الذي يعيش هذه الأيام حالة من الغليان والترقب والخوف من حرب قادمة بلا محالة... من حرب إن وقعت - وهي لا شك واقعة - فإنها ستحول المنطقة إلى كرة من اللهب لا تنطفئ... كان متيقنا في داخله بأن هناك خلافا وهميا بين الشعوب.
وأن هناك سوء فهم واضح بين الشرق والغرب، وأن هناك إمكانية لتفادي أي صدام بيننا وبينهم، وأن هناك من سيطرح سؤالا عن البرنامج النووي الإيراني، وعن العقوبات المفروضة على جمهوريته التي يرأسها، وعن نسبة الفقر والجوع في العالم، وعن نسبة الأمية في آسيا وأفريقيا، وعن كيفية تفادي زيادة التلوث البيئي على الكرة الأرضية.
وعن الشعب الإيراني، والثقافة الإيرانية والحضارة الفارسية والتقدم العلمي في إيران، وعن قضية الشعب الفلسطيني المشرد منذ أكثر من 60عام، وكان ينتظر أن يقنعه أحد من هؤلاء الطلبة المتجمهرين الذي جلسوا في انتظار وصوله إلى القاعة بأن محرقة اليهود حقيقة واقعة أعدم فيها 000 ,000, 6 يهودي، وأن يبرهن له آخر بأن اليهود شعب الله المختار وأنه شعب طيب كريم عادل إنساني النزعة لم يسرق أراضي الغير ليشيد عليها مستعمراته ولم يحرق الزرع ولم يقتلع أشجار الزيتون ولم يبن الجدار العازل ولم يرتكب أي مجزرة في تاريخه وأنه حصل على فلسطين بالسلم ولم يحتلها بالعنف والمجازر، وأن الجيش الأميركي وعلى رأسه الرئيس الأميركي ذهب بهدف تحرير العراق وليس للاستيلاء على نفطها، وأنه استقبل استقبال الأبطال بالورود وبالأحضان، وأنه لم يقتل حتى ذبابة ولا فأرا، لقد انتظر الرئيس الإيراني أن يقنعه مضيفه رئيس جامعة كولومبيا بأن المزاعم التي تتهم الجيش الأميركي بارتكاب المجازر في حق الملايين من المدنيين في العراق وأفغانستان وتشريد الملايين من الشعب العراقي إلى الخارج واستعمال الأسلحة المحرمة دوليا هناك، مجرد كذبة وادعاء لا يقوم على أي أساس، وأن اليهود في الولايات المتحدة الأميركية لا يشكلون أي تأثير على سياسة الولايات المتحدة في الخارج، ولا في إعلامها ولا في اقتصادها ولا حتى في اختيار رئيسها، وأن الولايات المتحدة ليس بها فساد ولا تجارة مخدرات ولا عصابات مافيا ولا قتل ولا مؤامرات ولا تجاوزات وليس بها أسلحة نووية ولا مخابرات... وغيرها من المسائل المهمة التي تحتاج إلى توضيح وإقناع وبرهان ودليل حتى تصفى النفوس وتطمئن الشعوب إلى عدم وجود أي نية مبيتة للصدام بين الحضارات.
إلا أن أيا من ذلك لم يحصل... وفوجئ الرئيس الإيراني بكلمة استقبال المضيف للضيف بهجوم رخيص وبكلمات بذيئة لا ترقى إلى مستوى رئيس جامعة أميركية نكن لعلمائها وطلبتها كل الاحترام والتبجيل، وكأن هذا الرجل كان يحمل في نفسه من الضغينة والحقد ما لم يستطع أن يكبح جماح عواطفه وأن يفجر كل ما كمن بداخله في لحظة واحدة وكأنها فرصة لا تعوض. وبدلا من أن يقوم طلبة الجامعة - المفترض أن يكونوا على مستوى عال من الثقافة والعلم والذوق - بسؤال الرئيس الإيراني بما هو نافع لمعرفتهم عن الشرق الأقصى بتاريخه وحضارته وعلمائه وحاضره ومستقبله، طرحوا أسئلة تنم عن مستواهم العلمي الذي كنا نجهله، والذي لم يتجاوز السؤال عن وضع (المثليين) في إيران! وكأن كل هموم العالم وخلافاته قد حلها الرئيس بوش ولم يبق إلا السؤال عن حالة المثليين في الجمهورية الإسلامية! وبعدها قابلوا رده بالضحك والسخرية!!
لقد صدمنا، حتى ولو أننا في الأصل لا نتفق مع الرئيس الإيراني في كثير من الأمور، بالرغم من أنه يمثل لكثير من الشعوب المستضعفة الرجل الوحيد الذي تحدى غطرسة الولايات المتحدة الأميركية، وأن هذا الرجل البسيط هو وشعبه ربما ساهموا في (لخبطة) أوراق السياسة الأميركية في العراق ووضعوها في مأزق خطير، وأنه هو ومن سبقه قد كان لهم دور لا يمكن نكرانه في دعم القضية الفلسطينية منذ بداية الثورة وموقف يحمدون عليه في دعم صمود المقاومين في جنوب لبنان ضد مخططات إسرائيل في المنطقة، التي لولاها لأصبح نصف لبنان الجنوبي ضفة غربية أخرى، وأنه هو وشعبه قد دفعوا غاليا ثمن هذه المواقف...
وتوقع رئيس جامعة كولومبيا وطلابها والحاضرون بأن نجاد سوف يفضح ضعفه وسوف يسترسل في الشتم والسباب لرد الاعتبار؛ إلا أنهم صدموا حين اكتشفوا بأنه حافظ على هدوئه وثباته وأنه (طنش) كلمة رئيس الجامعة ولم يرد عليها وتعامل معه تطبيقا لقوله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)، فلقنه درسا في الأخلاق نتمنى أن لا ينساه قبل أن يدعو زعيم دولة إسلامية أخرى إلى قاعات محاضراته بغرض الهجوم عليه والاستهزاء به.
لقد علمتنا الجامعات التي درسنا بها مبادئ الحوار الحر، ومبادئ حرية إبداء الرأي، وجواز الاختلاف مع الآخر، وتقديم البراهين والأدلة العلمية، وعدم السخرية من الآخر أيما كانت درجته العلمية، واحترام الذات، وعدم التسرع في الحكم، إلخ من أساليب الحوار والبحث العلمي. إلا أنه يبدو أن حتى الجامعات العلمية بدأت تأخذ اتجاها مغايرا لما تربينا عليه، فأصبحت منابر لإثارة النعرات والاهتمام بالأمور السطحية جدا وأماكن للغط والجدال والجدل غير المجدي... لقد أصبحنا نأسف لهؤلاء أنصاف أو أرباع العلماء أو المحسوبين على العلماء الذين لا يرون إلا بعين واحدة وفي كثير من الأحيان بدون عين، ويعتمدون على نفس حجج الجيش الأميركي في احتلال العراق....
وننعى علماء مكة والمدينة قبل آلاف السنين الذين كانوا يقطعون صحراء الجزيرة العربية القاحلة من جنوبها إلى شمالها بحثا عن مسألة لغوية لدى علماء البصرة أو الكوفة....
إننا هذه الأيام نعود إلى زمن ذلك الرجل الذي سأل الإمام علي كرم الله وجهه عن عدد شعرات رأسه!! ولكن في جامعة كولومبيا العريقة!!
جامعة الإمارات