يوم الأربعاء قبل الماضي التاسع عشر من ديسمبر الجاري اتخذت الحكومة الإسرائيلية قراراً خطيراً ذات أبعاد شاملة حين اعتبرت «قطاع غزة كياناً معادياً».

الفلسطينيون خصوصاً سكان قطاع غزة الذين يخضعون لسلطة حماس إثر انقلابها على السلطة الشرعية في الرابع عشر من يونيو الماضي، وربما بعض المستويات السياسية تجاهلت فور صدور القرار الإسرائيلي الأبعاد الخطيرة السياسية الكامنة وراءه وأخذوا يعبرون عن قلقهم إزاء الإجراءات التي يمكن أن تتخذها إسرائيل وفق القرار بما يضاعف من معاناتهم وعزلهم.

ولقد ساهمت التفسيرات الإسرائيلية للقرار، في تضليل الفلسطينيين حين تعالت الأصوات المطالبة بقطع وتقنين إمدادات القطاع من التيار الكهربائي والمياه والوقود إلا بالقدر الذي يلبي الحد الأدنى من احتياجات بعض القطاعات الخدمية الهامة كالصحة، فضلاً عن تواصل الوعيد الإسرائيلي باجتياح قطاع غزة.

على أن الموضوع ما لبث أن اتضحت الأبعاد الأشد خطورة في القرار الإسرائيلي، حيث المرة الأولى التي يصدر عن الحكومة الإسرائيلية قرار رسمي يعتبر القطاع كياناً معادياً، مما يعني أن السياسة الإسرائيلية ستتبع خط تعميق عملية الانقسام والفصل بين قطاع غزة ككيان غير متصل يستوجب حصر البحث والتفاوض مع السلطة للتوصل إلى اتفاق أو عبر تكريس الأمر الواقع، يقضي بإقامة كيان آخر في الضفة.

إذا صدقت الرؤيا فإن مستقبل الفلسطينيين يتجه نحو إقامة كيانين يعيدان الوضع إلى ما كان عليه قبل حرب يونيو 1967، أي ما أسماه بعض الكتاب الإسرائيليين بكيان حماسستان في غزة، وفتحستان في الضفة، الأولى تستعيد شكلاً من أشكال العلاقة مع مصر والثانية شكلاً من أشكال العلاقة مع الأردن.

القرار الإسرائيلي جاء كترجمة لخطة استراتيجية تعود إلى مرحلة شارون الذي نفذ خطة الفصل في قطاع غزة أواخر عام 2005، ولم يكن القصد فقط الفصل أحادي الجانب عن إسرائيل وإنما أيضاً عن الضفة بانتظار أن تخضع هي الأخرى في وقت لاحق لاستكمال خطة فصلها عن إسرائيل وعن القدس وعن غزة.

وإذا كانت عملية تنفيذ خطة الفصل أحادي الجانب في الضفة قد خضعت لتأجيل فرضته نتائج الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو العام الماضي، فإن ضعف السلطة وانقسام الحالة الفلسطينية قد شكل ظرفاً مناسباً جداً لكي تمضي إسرائيل قدماً بخطوات وإجراءات فعلية.

عندما خرجت القوات والمستوطنات الإسرائيلية من قطاع غزة عام 2005 تطبيقاً للجزء الأول من خطة الفصل أحادي الجانب، حاولت حكومة شارون في حينه أن تفحص إمكانية اتخاذ قرار من قبل الأمم المتحدة يخلي مسؤولية إسرائيل السياسية والقانونية كدولة احتلال عن قطاع غزة الذي خرجت منه، لكنها لم تتمكن من ذلك إلى أن واتتها الفرصة لكي تحاول إخلاء مسؤوليتها عبر قرار اعتبار قطاع غزة كياناً معادياً.

لذلك جاء تصريح الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ليحذر من أن القرار الإسرائيلي يتعارض مع القانون الدولي، غير أن إسرائيل قد دأبت منذ تأسيسها عام 1948 على عدم الالتزام بقرارات الشرعية الدولية، أو احترامها أو حتى الاهتمام بها.

وفي الواقع فإن القرار الإسرائيلي جاء متزامناً مع وجود وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في تل أبيب في إطار جولة قصدت منها دفع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي للإسراع في التحضير لنجاح الاجتماع الدولي الذي دعا إليه الرئيس بوش وسينعقد في نوفمبر المقبل، مما يعني أن قرارها يحظى بالدعم الأميركي أو التواطؤ سيان بالرغم من الفارق في مواقفهما.

الوزيرة الأميركية اكتفت بالإعلان عن موقف مغاير يعتبر أن حماس منظمة معادية، وشددت على أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ وكوحدة جغرافية متكاملة من الدولة الفلسطينية، مضيفة أن سكان قطاع غزة ينبغي أن يحظوا بالاهتمام ولذلك طالبت إسرائيل لاحقاً بعدم قطع الخدمات الأساسية عن أهالي القطاع.

فإذا كانت إسرائيل قد تجاهلت موقف ضيفتها رايس فإن من غير المتوقع أن تبدي اهتماماً إزاء ردود الفعل الفلسطينية والعربية والدولية التي طالبتها بالتراجع عن قرارها والأرجح أن تمضي إسرائيل في سياستها القاضية بفصل كل مكونات الدولة الفلسطينية الموعودة بعضها عن بعض.

وإذا كان للقرار الإسرائيلي أبعاد استراتيجية خطيرة تضرب كل فكرة السلام فإن من آثارها القريبة ما يؤشر إلى فشل الاجتماع الدولي في بلورة رؤية وآليات وجداول زمنية، إزاء دفع عملية السلام، أو تحقيق رؤية الدولتين التي ما انفكت الإدارة الأميركية أن تعلن التزامها بها.

ما يؤكد هذه الفرضية بشأن ما ينطوي عليه مؤتمر الخريف يمكن أن نجمله بالعوامل والمؤشرات التالية:

أولاً: من بين ألوان التصريحات الصادرة عن الإدارة الأميركية، والأوروبيين عن ضرورة نجاح مؤتمر الخريف، يمكن الإشارة إلى الأهم وهو ما صرحت به كوندوليزا رايس يوم السبت الماضي حين قالت إنها تؤيد بياناً مشتركاً بدون جدول زمني ذلك أنها تكرر موقفاً سابقاً أعلنه أولمرت الذي قال أمام أعضاء حزبه إن أقصى ما يمكن أن نذهب به إلى الاجتماع الدولي هو بيان إعلان النوايا.

ثانياً: إن المماطلة الإسرائيلية في التوصل إلى حالة تفاوضية أو اتفاق مع الفلسطينيين في إطار التحضير لمؤتمر الخريف، سواء في الجانب السياسي أو حتى فيما يتعلق بالوعود التي قطعها أولمرت على نفسه أمام الرئيس محمود عباس، والتي لم ينفذ منها حتى الآن سوى قرار إطلاق سراح تسعين أسيراً فلسطينياً من بين أكثر من أحد عشر ألفاً، هذه المماطلة تشير إلى أن إسرائيل غير جادة للمضي في اتجاه عملية سلام حقيقية.

إن كل ما تريده إسرائيل من المؤتمر هدفين:

الأول تطبيق العلاقات مع بعض الدول العربية خصوصاً السعودية ودول الخليج.

والثاني مجرد بيان يشكل المرجعية البديلة عن كل المرجعيات المطروحة في السوق في حال جرى لاحقاً تنشيط المفاوضات.

ثالثاً: إن مجرد قبول الإدارة الأميركية بدعوة دول المتابعة العربية ومن بينها على وجه الخصوص سوريا ولبنان، وبدون الحد الأدنى من الاهتمام بالمسارين اللبناني والسوري يؤكد أن الأمر لا يعدو كونه محاولة لنزع ذرائع أو عقبات، ولتحقيق أغراض أخرى لا تتصل بعملية السلام.

رابعاً: إن استمرار الانقسام الفلسطيني وضعف السلطة الفلسطينية يشكل ظرفاً مناسباً لإملاء سياسات لا تناسب الفلسطينيين فيما لن تكون السلطة قادرة على مقاطعة المؤتمر حتى لو أنها أدركت احتمالات فشله، أو من باب الاحتجاج القوى على القرار الإسرائيلي بشأن غزة.

خامساً: تتزايد المؤشرات على أن الدعم الاقتصادي وإعادة بناء السلطة ومؤسساتها سيشكل ربما المحور الأهم في مؤتمر الخريف. فلقد طالبت بريطانيا بخطة طريق اقتصادية كأساس لتحقيق الأمن والسلام، فضلاً عن تقارير مبعوث الرباعية توني بلير، واجتماعات الدول المانحة التي تؤكد كلها على ذات الوجهة.

إسرائيل التي تكثر من الحديث عن اجتياح قطاع غزة تجاوزت عقد الصواريخ التي سقطت قبل نحو ثلاثة أسابيع على قاعدة «زكيم» والتي أدت إلى إصابة تسعة وستين جندياً. إسرائيل، وهي تركز عدوانها اليومي على الضفة الغربية أكثر من قطاع غزة مما يعني أن اجتياح قطاع غزة أو توجيه ضربات واسعة له، هو أمر مرتبط بالتطورات اللاحقة.

وفيما طرح بعض المسؤولين الإسرائيليين ضرورة أن تبادر إسرائيل إلى إغلاق كافة المعابر مع قطاع غزة، وتركها مفتوحة على مصر، وذلك في إطار تعزيز القرار الإسرائيلي فإن بعض كبار الضباط انتقدوا قرار الحكومة الذي يعزز حسب رأيهم سيطرة حماس على قطاع غزة وتنمية قوتها، مما يتناقض مع القرار الرسمي الإسرائيلي.

أما على الجانب الفلسطيني فإن ردود الفعل الحمساوية جاءت لتفسر القرار على أنه إعلان حرب فيما شنت السلطة برئاسة محمود عباس حملة للتحذير من خطورة القرار الإسرائيلي

وكان يفترض أن تشترط من بين شروطها لحضور المؤتمر الدولي تراجع إسرائيل عن قرارها. غير أن الانقسام الفلسطيني الذي يتعمق يوماً بعد الآخر، يضعف قدرة كافة الفرقاء على التأثير في اتجاهات السياسة الإسرائيلية والدولية أيضاً.

كاتب فلسطيني