العراق 24 ساعة يوميا على مدار أيام الأسبوع. هذا ما سيكون عليه الوضع على الساحة الإعلامية العالمية خلال الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة المقبلة، وذلك في الوقت الذي سيتنازع فيه الرئيس والكونغرس حول الاحتلال الكارثي للعراق.

ان الناخبين الذين قرروا إعطاء أصواتهم للحزب الديمقراطي سينتظرون ليروا ما إذا كان أعضاء الكونغرس من الديمقراطيين سيقفون أمام الرئيس ومن منهم سيكون مستعدا لإنهاء هذه الحرب في حال وصوله للبيت الأبيض.

أما مرشحو الحزب الجمهوري فسيقفون بجانب استراتيجية الرئيس الذي فقد شعبيته ليروجوا للكذب الذي يروج له البيت الأبيض بشأن تحقيق تقدم في العراق. غير أن هناك أمورا أخرى تهم الأميركيين وستسيطر على النقاشات العامة في الفترة المقبلة وهي الأمور المتعلقة بتكلفة الحياة في المجتمع الأميركي وكيفية تدبير تكاليف الدراسة الجامعية وأموال المعاشات والتأمين الصحي والرسوم المرتفعة لبطاقات الائتمان ومساعدة كبار السن.

إن الأميركيين كانوا قلقين بشأن الاقتصاد الأميركي عندما كان جيدا. أما الآن فإن الاقتصاد بدأ في التباطؤ بسبب ما حدث في سوق الرهان العقاري. إن الانتعاشة التي يتحدث عنها الرئيس الأميركي لم تطل معظم الأميركيين.

صحيح أن الاقتصاد ينمو والإنتاج يزيد والأرباح مرتفعة، غير أن دخول معظم الأميركيين ما زالت على المستوى الذي كانت عليه منذ عقدين من الزمن. فإذا لم تستفد النسبة الأكبر من الشعب عندما كان الاقتصاد يسير بشكل جيد، فإن الأمور ستزداد سوءاً عندما يتباطأ الاقتصاد.

إن هذه الحقائق بجانب قضية الانسحاب من العراق يجب أن تكون في قلب العملية الانتخابية في العام المقبل. فالجمهوريون ما برحوا يرددون الشعارات الفارغة التي يرددها بوش منذ سنوات وهي تقليص الضرائب على الأثرياء وزيادة الإنفاق العسكري والخصخصة وإزالة العقبات والروتين الإداري.

وانتقادهم الوحيد لبوش يتمثل في أنه لم يقلص بشكل كاف من ميزانية البرامج التي تمس السياسة الداخلية للبلد. جميعهم يعدون بمزيد من التقليص من دون أن يقولوا ما الذي سيقلصونه.

إن هذه الأجندة الجمهورية هي التي أوصلتنا للوضع الحالي الذي لا تزيد فيه الرواتب في الوقت الذي لا يزال فيه الاقتصاد ينمو ومعدلات البطالة منخفضة نسبيا. فالحد الأدنى لرواتب العمال لا يزال كما هو من سنوات طويلة الأمر الذي يزلزل معيشة العامل

ويعكر عليه صفو حياته، والشركات تستخدم تهديد المنافسة من الخارج كي تدمر نقابات العمال وترفض مطالب زيادة الأجور. ويُرغم العمال على دفع المزيد والمزيد من تكاليف التأمين الصحي (إذا كان في الأساس عندهم أي تأمين) ونفقات التقاعد.

وتركز الشركات بشكل أكبر على سياسة التعهيد التي تجعلنا نخسر العمالة المحلية. وفي الوقت نفسه غاب أي تركيز على استثمارات التعليم والتدريب المهني. وتقلص بشكل كبير الإنفاق على الإسكان المتوسط.

كما تتحد السياسات الفاسدة مع الحملات الشريرة التي تتزعمها بعض الشركات لمنع العمال من تشكيل أي تنظيمات داخل مقار أعمالهم. وتنتهي الحال بمعظم العائلات وهي تعمل لساعات أطول وبشكل أكبر كي تستطيع تحمل مصاريف المعيشة المرتفعة. وزادت معدلات الديون الشخصية بشكل هائل وتقلصت المدخرات بشكل كبير وباتت قيمة المنازل مهددة بالتناقص بشكل أكبر.

أثرى الأثرياء فقط من الشعب الأميركي والذين لا يمثلون سوى 10 % من تعداد الشعب هم من يستأثرون وحدهم بالإرباح والمميزات. فأرباح الشركات تتضاعف لتصل إلى أرقام فلكية في الوقت الذي تتقلص فيه دخول العمال الذين يرجع إليهم الفضل في ارتفاع أرباح تلك الشركات.

نحن الآن نشهد أكبر مستوى من الظلم في توزيع الدخول في أميركا منذ بداية القرن العشرين. فنسبة لا تزيد على 1% من الشعب الأميركي تحقق أرباحا تعادل ما تحققه نسبة 50% من الشعب. هذا لا يمكن أن يكون في صالح الدولة.

هل المرشحون الديمقراطيون للرئاسة سيمثلون البديل الذي يبحث عنه المواطن الأميركي؟ في 2006 كسب الديمقراطيون الانتخابات عندما قاموا بحملات شعبوية هاجموا فيها السياسات التجارية للشركات الأميركية ودعوا فيها إلى وضع حد أدنى للرواتب وإلى الاستثمار في التعليم والوظائف في الداخل،

غير أن مرشحي الرئاسة أمامهم مهمة أصعب إذ يتعين عليهم إخراج العائلات الأميركية من الصندوق الضيق الذي يعيش فيه المواطن الأميركي. إن الشعب الأميركي مستعد لتأييد أصحاب البرنامج الجريء. فلنعمل على إلغاء التقليص الضريبي الذي يتبناه بوش ونستثمر في منشآت ومرافق الدولة ونفرض ضرائب على شركات النفط الكبرى

ونشجع الاستثمار في مصادر الطاقة الجديدة وفي مجالات تقليص الطاقة وتوظيف الشعب ونعمل على إعادة التوازن إلى ميزاننا التجاري مع الدول التجارية مثل الصين ونسعى إلى تمكين العمال ورفع أجورهم وتوفير رعاية صحية جيدة ونستثمر في مستقبل أطفالنا وتعليمهم عن طريق توفير فصول مدرسية أصغر.

يمكننا أن نسخر اقتصادنا لخدمة غالبية الشعب وليس لأقليته الثرية غير أن كل هذا يتطلب تغييرا في السياسة.يتعين علينا تغيير مسار هذا البلد. إن المرشحين الجمهوريين يدعون إلى تكريس ودعم سياسات بوش في الداخل والخارج، الأمر الذي يسمح ويفتح الباب على مصراعيه للمرشح الديمقراطي كي يقدم خيارا واضحا للشعب: الخروج من العراق والاستثمار في القدرات الأميركية.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»