اكتشف معظمنا أن الجيوش التي احتلت العراق ومازالت تحتله هي ليست فقط الجيوش الأميركية والدول (المتحالفة) معها وإنما تشاركها أيضاً الاحتلال والتنكيل قوات أخرى هي قوات (شركات الأمن وعددها ثلاث وعشرون شركة) تحمي المؤسسات الأميركية وبعض المؤسسات العراقية والأجنبية الأخرى.
فضلاً عن الشخصيات السياسية والسفارات وشركات الاستثمار وتلك التي تقدم الخدمات للجيوش المحتلة أو تحمي المشاريع التي تقام في العراق وأنابيب النفط وما لا يحصى من المنشآت والمشاريع والخدمات، حيث صارت كل شركة أو جهة تلتزم عملاً أو استثماراً تجلب معها شركة أمن من صلب هيكليتها وكجزء من العاملين فيها.
ولا يعرف أحد على وجه الدقة أعداد أفراد (شركات الأمن) هذه وتعطيها أقل التقديرات مئة وعشرين ألف مسلح حيث بلغ عدد أفراد شركة أمن واحدة هي (بلاك ووتر) عشرين ألف مسلح بأفضل الأسلحة بما في ذلك طائرات الهليكوبتر،
واكتشفنا أن هؤلاء المسلحين لا يخضعون لدولة أو لقانون فقانونهم خاص بهم ويمكنهم قتل من يشتبهون أنه يهدد أمن المؤسسات (أو الأفراد) التي يحرسون، ولا يطالهم لا القانون العراقي ولا الأميركي ولا أي قانون آخر باعتبارهم لا يخضعون لأية دولة ولا لأي ضابط،
وكانت فضيحة قتل أحد عشر مدنياً عراقياً مطلع هذا الشهر برصاص مسلحي شركة (بلاك ووتر) لمجرد الشبهة خير دليل على جرائم هذه الجيوش الموازية التي لا تلوذ بأية شرعية قانونية محلية أو دولية
وتخرج عن سيطرة الحكومة العراقية بل وعن سيطرة جيوش الاحتلال، أي أنها بأي مفهوم أو اصطلاح أو عرف أو قانون محلي أو دولي قوات مرتزقة استأجرتهم جهات عديدة ومنحوا (لا نعرف من أية جهة) صلاحيات استخدام أسلحتهم في ضوء ما تمليه عليهم غرائزهم.
وعندما قررت الحكومة العراقية علناً وبلسان نائب رئيس الوزراء سحب رخصة شركة (بلاك ووتر) بعد جريمتها سرعان ما تراجعت بعد يومين أمام الأوامر الأميركية (بعد أن اكتشفت أن من مهماتها حماية أعضاء الحكومة أيضاً)
ومن المعلوم أن معظم هذه الشركات هي شركات أميركية توظف مسلحين معظمهم من المجرمين السابقين أو المحاربين السابقين ومن مختلف البلدان وبرواتب مرتفعة جداً تصل إلى خمسة عشر ألف دولار شهرياً وأحياناً لضعف هذا المبلغ،
ومن البديهي أن الشعب العراقي يدفع هذه الرواتب التي تضاف تلقائياً إلى التعهدات والالتزامات التي تقع على عاتق من يستأجر هذه الشركات فلا يكفيه أنه يتعرض للقتل والإهانة من مسلحي هذه الشركات بل يدفع أيضاً أجور من يهينه ومن يقتله.
لقد كان احتلال العراق سبة في تاريخ الشعب الأميركي ولأنه عمل أخرق وعدواني وغير قانوني حسب العرف والقانون الدولي وغير أخلاقي بطبيعة الحال فقد لجأت الإدارة الأميركية بعد الاحتلال إلى مجلس الأمن وضغطت على دوله واستطاعت اتخاذ قرار يلتف على عدم شرعية الاحتلال
ويجعله شرعياً وغطته بالقانون الدولي وبقرارات مجلس الأمن وبالتالي أمكن للإدارة الأميركية أن تزعم أن تواجد جيوشها في العراق (مغطى) بقرارات الشرعية الدولية أما قوات شركات الأمن هذه فما من قانون أو عرف يغطي وجودها لا مباشرة ولا مداورة،
وبقيت كالكلاب الشاردة المسعورة تتسلى بقتل العراقيين فهي مسلحة دون قانون يبيح تسليحها وتقوم بعمليات عسكرية ضد الآخرين وكيفما اتفق دون تغطية قانونية، اللهم إلا إذا اعتبرنا موافقة الحكومة العراقية على عملها تشبه التغطية القانونية
وتعطيها حقوق امتهان كرامة العراقيين وحياتهم، ونعرف أن الحكومة العراقية لا تلوي على شيء في هذا المجال ولا تستطيع أن تقول لا لأي طلب ترخيص لهذه الشركات (ما قال لا إلا في تشهده).
واكتشفنا من جهة ثانية بعد احتلال العراق أن ما تقوله الولايات المتحدة عن مكافحة الفساد في دول العالم النامي من رشوة وسرقة المال العام ونهب خيرات البلاد وعن ضرورة تحقيق الشفافية ما هو إلا كلام للتصدير ومبررات للتضييق على هذا النظام أو ذاك أو الضغط عليه لا موقف جدي يهدف فعلاً لمحاربة هذه الآفات التي ابتليت بها دول العالم النامي وغرقت في وحولها حكومات هذه الدول،
ويبدو أن الأمراض نفسها أحياناً أصابت أنظمة البلدان المتقدمة وسياسييها ولم يسلم منها أحد، وما فَضَحَ الفساد الأميركي هو اكتشاف الأميركيين أنفسهم أن شركة (هاليبرتون) مثلاً سرقت أموال الشعب العراقي وأموال الشعب الأميركي معاً من خلال العقود والعطاءات التي حصلت عليها في العراق لتقديم الخدمات للجيش الأميركي كالغذاء والنفط وغيرها
وأن نائب الرئيس الأميركي (ديك تشيني) كان مسؤولاً كبيراً في هذه المؤسسة وله علاقة مباشرة بما جنته وتجنيه من أموال في العراق، وقد (لفلفت) الإدارة الأميركية فضائح وسرقات (هاليبرتون) واختلاساتها ومخالفاتها خدمة لعيني نائب الرئيس ومن معه من الشركاء
كما (لفلفت) فساد شركات أميركية أخرى يدعمها متنفذون، وذهبت الشفافية والاستقامة والنزاهة أدراج الرياح، علما بأن مخالفات (هاليبرتون) واختلاساتها وأرباحها هي ليست فقط من أموال الشعب العراقي بل أيضاً من أموال دافع الضرائب الأميركي،
وبالتالي فقد شرّعت إدارة الرئيس بوش الاختلاس والرشوة والفساد عامة بعد أن ثقبت آذاننا بصراخها حول الشفافية والاستقامة والنزاهة والديمقراطية، ويبدو أن (ما حدا أحسن من حدا) فليست حكومات البلدان النامية وحدها هي الفاسدة،
لأن الظاهرة عامة ومن الطبيعي أنها تترافق مع العولمة واقتصاد السوق ومختلف التعابير والإجراءات المماثلة التي أتحفنا بها الأميركيون بعد انتهاء الحرب الباردة وفرض هيمنتهم على عالمنا، ولعل هذا من طبيعة الأمور لأن قيم العولمة وأخلاقها وتقاليدها ليست بعيدة عن هذه الممارسات.
إن قبول تواجد شركات الأمن وانتشارها سواء حصلت على رخصة من الحكومة المعنية أم لا هو عمل مخل بالسيادة بشكل صريح ولا يمكن تسويغه بأية حال، فكيف يمكن أن تجتمع سيادة الدولة (والحكومة) على أراضيها مع وجود قوى مسلحة (وغالباً بسلاح مهرب كما تبين بعد فضيحة بلاك ووتر)
ومع إعطاء الحق لهذه الشركات باستخدام السلاح لا حسب القانون المحلي أو الدولي ولا حسب أي قانون آخر بل على هواها، فأية سيادة هذه التي يمكن أن تتحدث عنها الحكومات التي سمحت لشركات أمن أقوى من جيشها وشرطتها وقواها المسلحة بالعمل في بلادها دون التزام بالقوانين التي تلتزم بها عادة القوات المسلحة وإذا لم تكن هذه الشركات قوات مرتزقة فماذا يمكن أن تكون؟.
كما أن تفويض المحتل بفرض الشركات التي يريد وتكليفها بتنفيذ أعمال ومشاريع ونشاطات دون أن يحق لأحد سؤالها أو الاستفهام عن أسعارها أو محاسبتها هو أمر مخل بالسيادة بدوره، فأية سيادة هذه التي لا يحق معها للحكومة أن تسأل عن مصير أموالها أو تحد من قوى مسلحة خاصة تعمل على أرضها دون قانون أو عرف أو حتى تبعية لدولة ما؟
كاتب سوري