تحدثت في مقالي السابق عن اختلال المعادلة بين تحصيل أبنائنا الطلبة وبناتنا الطالبات على المستوى العلمي، وبين تحصيلهم على مستوى الدرجات والمعدلات، على نحو يبدو معه وكأننا نريد فقط تخريج الدفعة تلو الدفعة، دون أن نهتم بالفائدة الحقيقية التي تجنيها أفواج هؤلاء الخريجين الذين يتراكمون عاما بعد عام، أو الفائدة التي سيجنيها المجتمع منهم، وهم لا يكادون يفقهون كثيرا مما مرّ عليهم.
والموضوع أكبر من أن يعالج في مقالة أو اثنتين، ويحتاج إلى الكثير من الدراسات العلمية التي تتناوله من جوانبه المختلفة، وعلى الرغم من أن البعض قد يراه بسيطا ولا يحتاج إلى تكرار القول فيه المرة بعد المرة، إلا أنه في واقعه شديد التعقيد، ولا يكاد يُعرف له طرف يُبدأ منه الحديث عنه، أو آخر يُنتهى إليه.
ويهمني في هذه المقالة أن أسلط الضوء على ما يبدو لي أنه أساس هذه الإشكالية، وهو فقدان العلم لقيمته الحقيقية في نفوس أبنائنا، وسقوطه بالتالي من قائمة اهتماماتهم وأولوياتهم، وهذا ليس ذنبهم بالطبع، لأنهم ثمرة ما نبذره في نفوسهم خلال تربيتهم وتنشئتهم بالقول وبالسلوك اليومي الذي له التأثير الأكبر على الناشئة.
سمعت طفلا يتحدث ذات يوم عما يريد أن يصبح عندما يكبر، فإذا به يعلن أنه لن يكمل دراسته - كوالده - وسيعمل بذكائه «وشطارته» وليس بشهادته! لأن الشهادة ليست مهمة، المهم فقط هو العقل والذكاء! وحين سُئل عن الراتب الذي سيتقاضاه حين يعمل دون أن يتم دراسته، أجاب مباشرة: سيكون عندي الكثير من المال «مثل أبوي».!
هذا مثال حي لطفل من أطفالنا، يرى أن والده يعمل في وظيفة جيدة ويتقاضى راتبا شهريا مجزيا، وهو لم يكمل تعليمه، فوصل به الأمر إلى احتقار العلم والتعليم، والبحث عن بديل يثبت له ولمن حوله أنه شخص مميز، وهذا أمر طبيعي،
فكل إنسان يسعى ليكون كذلك، ويهمه أن يثبت ذلك للآخرين، ولكن كان السبيل شبه الوحيد لذلك فيما سبق هو العلم، فإذا به الآن يصبح آخر الطرق وأبعدها، وأقلها استحقاقا للاهتمام والاحترام في آن.
ولكن لو عدنا بذاكرتنا إلى الخلف عشرين سنة على سبيل المثال، سنجد أن الأطفال كانوا في ذلك الوقت يجيبون عن أي سؤال يتعلق بمستقبلهم الوظيفي باندفاع وحماس وتنافس بإجابات تتراوح ما بين «طبيب»، و«مهندس»، و«معلم»،
وما شابه ذلك من وظائف تتكئ على مواصلة التعليم على نحو أساسي، وكانت الإجابات التي يُفهم منها عدم وجود نية في مواصلة التعليم تبدو شاذة، وغير مرحب بها، ويُقابَل أصحابها بالاستياء سواء من السائل، أو من بقية الطلبة والطالبات.
قد يكون الأمر مختلفا ما بين الطلبة الذكور والطالبات الإناث، وقد يكون الشائع المعروف أن حماس الطالبات للدراسة والتعليم أشد من حماس نظرائهن من الطلاب، إلا أن الفرق بينهما لا يبدو أنه بدأ كبيرا، ولكنه كبر مع الوقت، حين لم يجد من يرقع أول خرق ظهر فيه. والمصيبة أن ذلك الخرق اتسع من الطرفين، وأصبح الزهد في الدراسة والتعليم أمرا مشتركا بين أبنائنا وبناتنا الطلبة والطالبات.
وإذا كان السلف يسافرون بحثا عن العلم من مكان إلى آخر، على الرغم من صعوبة السفر قديما، إلا أنهم كانوا يتحملون جميع مشقاته في سبيل العلم - بل في سبيل تحصيل معلومة واحدة، أو في سبيل اللقاء بعالم أو فقيه - فإن كل شيء متوافر اليوم لطلبتنا وطالباتنا،
وتكاد الدنيا - وما تمخضت عنه من أصناف العلوم والمعارف- أن تجتمع لهم في مكان واحد نظرا للحرص على توفير كل شيء لهم في دولة تنعم بالخير والرخاء، ولكنهم على الرغم من ذلك صادفون عنه، منكبّون على سواه مما تفِه وسخُف.
إن هذا يثير في المتأمل إحساسا عميقا بالاستغراب والحيرة؛ فكل ما يمكن أن يحتاجه طالب العلم موجود ومتوافر، لكن الطالب نفسه غير موجود، ولا أقصد هنا وجوده المادي، فعدد طلبتنا وطالباتنا في المدارس والجامعات غير قليل،
ولكنه حضور غير فاعل، ويفتقد إلى طموح طالب العلم وتوهجه، الذي يجعله يلازم كتبه وأوراقه حتى آخر يوم في حياته، أو يجعله يقضي حياته - كما قال أحد العلماء- «مع المحبرة إلى المقبرة».
المغريات المحيطة بأبنائنا كثيرة، وكل ما يمكن أن يسمعوا عن وجوده في أي مكان في العالم يصبح بين أيديهم في زمن قياسي، وهذا من دلائل نعمة الله علينا، واهتمام أولي أمرنا بنا، وكلاهما مما يستوجب حمد الله عليه في كل آن،
ولكن يجب أن يوجد قدر من الموازنة بين ما نعطيه لأبنائنا وما نطالبهم به، وأن نجعل من ميزة توافر كل شيء لأبنائنا في الدولة عامل تحفيز وتشجيع لهم ليس لمواصلة تعليمهم فحسب - فكما ذكرت.. هم يكملون تعليمهم الجامعي وما بعد الجامعي أحيانا لكن دون كبير اهتمام أو حرص على العلم بقدر الحرص على «الشهادة» وامتيازاتها الوظيفية،
ولكن لتشجيعهم على التعلم المبدع، أي التعلم الذي يعمل على فتح العقول وإشعال فتيل التفكير في الأذهان، للسؤال والبحث وهما سبيل الإبداع والابتكار. أما إذا بقي الحال على ما هو عليه، وبقي أبناؤنا مستهلكين فقط لما يصلهم دون أن يتحرك في داخلهم أي إحساس بضرورة أن يكونوا منتجين وفاعلين بشكل أو بآخر،
فإننا يجب أن نتوقع أن يكون المبذول أكثر من المردود بكثير لسنوات كثيرة قادمة، لأن مقتضيات الواقع تقودهم إلى اتجاه آخر بعيد عن الاتجاه الذي نطمح إليه جميعا دون شك، ولكن ربما خانتنا السبل.
ولعل إحدى أهم الخطوات التي يمكن اتخاذها في هذا الصدد هي إنشاء مراكز أبحاث مختلفة التخصصات، وربطها ربطا مباشرا بمراكز التعليم ومؤسساته المختلفة في الدولة، والتنسيق بينها لتوجيه الطلبة والطالبات نحو التخصصات التي تحتاجها الدولة، وتحتاج إلى تنميتها - على يد أبنائها- حتى يسدّوا ثغرة ما، شريطة أن تُخصص ميزانية مناسبة لها،
لأن مثل هذه المراكز لا يمكن أن تؤدي نشاطاتها بالمستوى المطلوب والفاعل دون توافر ميزانية مناسبة، تساعدها على التنفيذ الذي يحول الفكرة إلى واقع، وليس فقط الاكتفاء بالتفكير، ريثما يُتدَبَّر أمر التمويل.
كما يجب أن تتكاتف الجهود للترويج لهذه المراكز البحثية بجميع أنواع المغريات، وأن تكون هذه الخطوة الأولى لجرّ شبابنا وشاباتنا إلى هذا الفضاء الذي يبدو بعيدا جدا عنهم، ولكن الأهم من ذلك، وهو ما يجب أن يُعمل عليه كخطوة ثانية، هو تغذية نفوسهم بحب العلم والبحث مع تأكيد ارتباطه بالوطنية ارتباطا وثيقا،
فليس سوى العلم وسيلة لرفع اسم الوطن عاليا في جميع المحافل الدولية، إذ لم تصل الدول الكبرى إلى ما وصلت إليه دون هذا العلم الذي يترجم الذكاء (والشطارة) عمليا على أرض الواقع، أما التنطع بالحديث عن القدرات الذهنية كحجة للإعراض عن العلم والدراسة، فهي حيلة الضعفاء الذين لا يملكون القدرة على مواجهة عملاق العلم.
جامعة الامارات