إيران متهمة أمام العالم أجمع بتهم خطيرة، وهي تدافع عن نفسها معلنة براءتها من جميع ما ينسب إليها من اتهامات رغم أن من يتهمها يقدم أدلة مادية تسند بعض اتهاماته. لنستعرض أبرز الاتهامات الموجهة إليها وثقل كل منها:

1ـ تتبنى إيران مشروعاً نووياً طموحاً يقلق الغرب، فهي تسعى لإنتاج الوقود النووي وتسعى لأن يحصل خبراؤها على المعرفة النظرية والعملية لكامل دورة الوقود النووي ابتداء من تخصيب اليورانيوم وجعله صالحاً كوقود في المفاعلات النووية الانشطارية وانتهاء بالتعامل مع الوقود المستعمل واستخراج البلوتونيوم منه.

هذا فيما يتعلق بأحد جوانب الطاقة النووية، أما الجانب الآخر الأكثر أهمية فهو إعلان إيران منذ أكثر من عام عن البدء بإنشاء مصنع لإنتاج الماء الثقيل، وهي خطوة تكنولوجية متطورة في مجال الصناعات النووية تضع إيران أمام سبل مفتوحة في مجال التكنولوجيا النووية سواء الانشطارية منها أو الاندماجية، وتجعلها من الدول القليلة في العالم التي تمتلك قدرات كهذه وتؤهلها لتبوؤ مركز اقتصادي وسياسي متميز في المنطقة.

2ـ تعمل إيران على إحباط المشروع الأميركي في الشرق الأوسط فهي تنشط في العراق لتعزيز نفوذها وتقوم بتجهيز بعض الميليشيات بالأسلحة الفتاكة، وخاصة العبوات الناسفة الشديدة التدمير للآليات الأميركية،

هذا ما أفاد به الجنرال بترايوس والسفير كروكر في إفادتيهما أما الكونغرس في العاشر والحادي عشر من الشهر الجاري. وأضيف إلى هذه التهمة مؤخراً تهمة جديدة وهي قيام إيران بتزويد بعض الميليشيات بصواريخ أرض ـ جو من نوع ميثاق1 التي تستطيع إسقاط المروحيات الأميركية.

3ـ تسعى إيران للقيام بدور القوة العظمى في منطقة الشرق الأوسط، وهي بذلك تنافس الولايات المتحدة وحليفاتها الغربيات على نفوذهن في هذه المنطقة المهمة وتضع مصالحهن فيها في موضع الخطر.

4ـ تقوم إيران بتزويد حزب الله اللبناني بالأموال والسلاح وتقوم بتدريب عناصره لتنفيذ عمليات تهدد أمن إسرائيل وتعكر صفو المنطقة.

5ـ تقوم إيران بإمداد الحركات الدينية المتطرفة المعادية للغرب بالأموال وتقدم لها الدعم السياسي.

6ـ تشكل إيران مع سوريا محوراً يهدد أمن إسرائيل ويزعزع أمن المنطقة.

7ـ لدى إيران سجل غير جيد في الأمور التي تتعلق بحقوق الإنسان.

لا شك أن وقع هذه التهم وأهمية كل منها يختلف من دولة إلى أخرى، إلا أن ما تجمع عليه الدول الكبرى، الدول التي تتمتع بعضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي والتي لها حق الفيتو، هو التهمة الأولى الأكثر أهمية، فبعض هذه الدول ترى بأن إيران تسعى في الحقيقة إلى الحصول على السلاح النووي في حين أن دولاً أخرى تتحفظ على اتهام مباشر كهذا إلا أنها لا تخفي شكوكها حول حقيقة النوايا الإيرانية.

فالوكالة الدولية للطاقة الذرية لديها سجل حافل لا تخلو بعض فصوله من الإشارة إلى أن إيران دولة غير متعاونة وغير ملتزمة بنصوص اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية الموقعة عليها، وهذه المنظمة هي أول من وضع علامات الاستفهام حول النوايا الإيرانية.

هنالك ثلاث مواقف تتميز عن بعضها لدى الدول العظمى فيما يتعلق بالتهمة الأولى، الأكثر خطراً، الموجهة إلى إيران:

1ـ الصين وروسيا تعارضان توجهات إيران النووية ولديهما بعض الشكوك حول حقيقة النوايا الإيرانية، إلا أنهما لا تشكلان خطراً على البرنامج النووي الإيراني. فقد أعربت هاتان الدولتان مراراً عن معارضتهما القوية لأي عمل عسكري ضد إيران رغم أنهما الأقرب جغرافياً إليها.

2ـ الدول الأوروبية الثلاث، أو ما يعرف بالترويكا الأوروبية، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، التي خاضت مفاوضات طويلة وصعبة مع إيران دون التوصل إلى شيء ملموس، هذه الدول أكثر حزماً في مواقفها من البرنامج النووي الإيراني إلا أنها أقل خطراً عليه من الولايات المتحدة، فهي تفضل الاستمرار في مسار الضغوطات الدبلوماسية.

3 ـ الولايات المتحدة وهي أبرز المتصدين للبرنامج النووي الإيراني والأكثر خطورة عليه، فهي تتصدى لإيران على أكثر من صعيد رغم أنها تجني بعض المكاسب السياسية من إستراتيجية إيران العسكرية.

فالولايات المتحدة تستخدم ما تدعيه إيران من قدرات عسكرية، خاصة في مجال تطوير الصواريخ البعيدة المدى، كمبرر لخططها في نشر الدرع المضادة للصواريخ في كل من بولندا وتشيكيا على الحدود مع روسيا.

هذه المعادلة القلقة قد فرضت نفسها على مدى السنوات الماضية، إلا أنه قد طرأ عليها بعض التغيير منذ فترة وجيزة إثر صعود نيكولاي ساركوزي إلى منصب الرئاسة الفرنسية، فهو أكثر قرباً من سلفه شيراك إلى الولايات المتحدة وأكثر رغبة في ضمان أمن إسرائيل. فالموقف الفرنسي الجديد للتقرب من الولايات المتحدة وجني ثمار التحالف معها تتضح بعض معالمه في حدثين مهمين:

1ـ قيام وزير الخارجية الفرنسية برنارد كوشنير بزيارة العراق ولقاء القادة العراقيين الجدد، وهي خطوة تعكس رغبة فرنسا في فتح صفحة جديدة في علاقتها مع الولايات المتحدة. فقد رفعت فرنسا بهذه الزيارة تحفظها على الحكم الجديد في العراق وقبلت الأمر الواقع الذي فرضته الولايات المتحدة بإقدامها على احتلال العراق.

2ـ تصريح الوزير نفسه بما يفيد بترجيح فرنسا الخيار العسكري لنزع قدرات إيران النووية، ومع أن هذا الوزير عاد ووضع تصريحه في صيغة أكثر دبلوماسية للتخفيف من تأثيره، بسبب موجة الغضب الذي واجهه هذا التصريح، إلا أن ذلك لا ينفي وجود نية فرنسية حقيقية للاشتراك مع الولايات المتحدة في عمل عسكري ضد إيران.

فالرئيس الفرنسي الجديد لم يخف رغبته في إعادة ترميم العلاقات الفرنسية - الأميركية التي أصابها الكثير من الضعف على خلفية معارضة فرنسا القوية لاحتلال العراق وتمسك الرئيس الفرنسي شيراك بموقفه المتميز في بناء اتحاد أوروبي مستقل عن النفوذ الأميركي ورافض لتبعيته إلى سياساتها.

ومع أن فرنسا شيراك قد وحدت موقفها مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بالوجود السوري في لبنان وعملا معاً على إصدار القرار 1559 في سبتمبر من عام 2004 الذي أرغم سوريا على سحب قواتها من لبنان ومهد السبيل لتشكيل محكمة دولية لمحاكمة قتلة الحريري، إلا أن موقفها من احتلال العراق لم يتغير، وموقفها من الملف النووي الإيراني احتفظ بقدر من المرونة اللازمة للتنسيق مع الدول الأوروبية الأخرى.

بدأت تتسرب في الآونة الأخيرة أخبار عن خطط تُعد وسيناريوهات تُوضع لإجهاض القدرات العسكرية والنووية الإيرانية بعمل عسكري تقوم بتنفيذه الولايات المتحدة وحلفائها قبيل انتهاء الفترة الرئاسية الثانية للرئيس الأميركي جورج بوش، والحقيقة أن هذا التسريب ليس مرده أخطاء فنية أو ثغرات أمنية أو ثرثرة غير مسؤولة، بل هو مقصود ومدروس والغرض منه:

1ـ تعزيز الضغوط الدبلوماسية التي تتعرض لها إيران منذ ما يقرب من ثلاث سنوات بضغوط أخرى عسكرية ذات وزن آخر أكثر فاعلية لإجبارها على الإذعان للمشيئة الغربية والتخلي عن تخصيب اليورانيوم.

2ـ إعداد المسرح العالمي لتقبل العمل العسكري وتهيئة الرأي العام لحدوثه وذلك للتخفيف من موجة الغضب، داخل الولايات المتحدة وخارجها، التي قد تنفجر إثر قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري مفاجئ ضد إيران.

إن التسخين الذي شهده الملف النووي الإيراني في الآونة الأخيرة مرشح للمزيد من التصعيد، فإن قرار الولايات المتحدة بعقد صفقات كبيرة لبيع أسلحة متطورة لبعض دول المنطقة سوف يرغم إيران على الدخول في سباق تسلح لا يستطيع اقتصادها المرهق تحمله خاصة وأن هنالك نية لإلحاق المزيد من الأضرار بهذا الاقتصاد عن طريق رفع سقف العقوبات ضدها في مجلس الأمن الدولي.

وهذه في الحقيقة إستراتيجية تضعف إيران إلى درجة قد ترضخ معها إلى الضغوط الغربية، وإن لم يحصل ذلك فسوف تضعف قدراتها المدنية والعسكرية إلى المستوى الذي يجعل العمل العسكري المبيت ضدها أكثر سهولة في تنفيذه وأشد فاعلية في تحقيق أهدافه.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae