العلاقات الروسية - الصينية في الأعوام الثلاثة الماضية وما اتسمت به من تقارب وتفاهم وتعاون في كافة المجالات، وخاصة العسكرية منها، أصبحت تشكل مصدر قلق وتوتر لدى العديد من الجهات ليس في الغرب فقط بل وأيضا في أقصى الشرق.
وخاصة في اليابان التي باتت تشعر بأن هناك جدارا طويلا وسميكا للغاية يتشكل ليفصلها في المستقبل عن الغرب الذي تنتمي إليه منذ أكثر من نصف قرن مضى، وأصبحت جهود الغرب وواشنطن طيلة أربعة عقود مضت لاحتواء العملاق الصيني مهددة بالفشل بعد التقارب السياسي وربما الاستراتيجي الذي ظهر بين موسكو وبكين،
خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 والحرب في أفغانستان، هذه الحرب التي استشعر فيها البلدان روسيا والصين خطر تزايد التواجد العسكري الأميركي وحلف الناتو في وسط آسيا بعد أن نشرت أميركا قواعدها العسكرية في بلدان مثل أوزبكستان وقيرغيزستان الواقعتان بين حدود الصين وروسيا، وجاءت الحرب على العراق والتي عارضتها بشدة كل من موسكو وبكين ومازالتا تعارضان استمرارها.
التقارب الروسي - الصيني كان دائما احتمالا مستبعدا لدى الغرب رغم الأيديولوجية الشيوعية التي كانت تضعهما معا في زعامة العالم الاشتراكي الشيوعي، فقد كانت الخلافات بين البلدين كثيرة ومتفاقمة وتصل إلى حد الأزمات، إلا أن هذه الخلافات لم تمنع يوما ما من التعاون العسكري والعلمي بين البلدين بحيث ظل الجيش الصيني وحتى الآن يعتمد إلى حد كبير على التقنية العسكرية السوفييتية ومن بعدها الروسية.
خطر التقارب بين البلدين استشعره الغرب وواشنطن بعد تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون عام 2001 لتضم الصين وروسيا مع دول وسط آسيا كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزيا، ولم يثير تأسيس هذه المنظمة في البداية أي اهتمام من الغرب حيث كانت علاقات واشنطن بدولها باستثناء روسيا على خير ما يرام، وكانت دول مثل أوزبكستان وقيرغزيا من أكبر حلفاء واشنطن في وسط آسيا،
ولكن الأمور لم تستمر على ما هي عليه فانقلبت هذه البلاد على واشنطن نتيجة مواقفها المتقلبة واتهامها لقيادات هذه البلاد بالديكتاتورية وقمع الحريات ودعمها للمعارضة هناك، الأمر الذي جعل هذه الأنظمة تتقرب من روسيا وتزيد تفاعلها داخل منظمة شنغهاي التي تحولت إلى خصم علني للولايات المتحدة في المنطقة،
وانعكس هذا بوضوح في قرار منظمة شنغهاي في قمتها عام 2005 بطرد القواعد العسكرية الأميركية من وسط آسيا، وتم بالفعل طرد قاعدتها في أوزبكستان ومازالت القاعدة في قيرغيزيا تنتظر دورها في الطرد بعد اعتراض أغلبية الشعب على استمرار وجودها.
وكانت صدمة الغرب وواشنطن من التقارب الروسي - الصيني كبيرة في أغسطس عام 2005 بسبب المناورات العسكرية المشتركة التي تمت بين البلدين لأول مرة في تاريخهما والتي شاركت فيها قوات عسكرية كبيرة من البلدين،
الأمر الذي جعل الغرب يشعر باحتمال تحول منظمة شنغهاي في المستقبل إلى تحالف عسكري ربما يكون أقوى وأخطر من حلف وارسو السابق في زمن الحرب الباردة نظرا لأنه سيضم أقوى قوتين عسكريتين ونوويتين في الشرق،
ثم جاءت قمة شنغهاي الأخيرة في أغسطس الماضي في العاصمة القيرغيزية بشكيك وما صحبها من مناورات عسكرية مشتركة بين البلدان أعضائها على الأراضي الروسية لتوضح أن الجانب العسكري والاستراتيجي أصبح يشكل محورا رئيسيا في العلاقات بين دول المنظمة بشكل عام وبين روسيا والصين بشكل خاص.
وبعد هذه القمة بالتحديد بدأ يتردد بقوة السؤال حول مدى وحجم العلاقات الروسية - الصينية، وهناك وجهات نظر مختلفة حول هذا السؤال، فهناك من يرى أن الصين لا تريد أن يطغى الطابع العسكري والسياسي على علاقاتها مع روسيا على الجوانب الاقتصادية والتجارية،
وذلك لأن الصين تخشى أن يؤثر هذا بشدة على علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الغرب، ووجهة نظر ترى أن روسيا التي لا تستطيع أن تحصل على أفضلية أو حتى توازن في العلاقات التجارية مع الصين صاحبة الإنتاج الصناعي الضخم الذي يغرق كل الأسواق العالمية
لا تريد موسكو أن تكون التجارة والاقتصاد العنصر الأساسي في علاقاتها مع بكين، وأنها تسعى للاستفادة من الوزن العسكري والبشري والسياسي للصين لتكوين تحالف استراتيجي معها يواجه الهيمنة الأميركية على الساحة،
وأن موسكو تلح في هذا الاتجاه بينما الصين تقاوم بشدة التورط في هذا الاتجاه. صراع بين العملاقين الأسيويين روسيا والصين يضع لتقارب بينهما في مفترق طرق بين خيارين، تقارب سياسي واستراتيجي وعسكري مدعوم بالتعاون الاقتصادي، وهو ما تريده موسكو، وتقارب تجاري واقتصادي بعيد عن السياسة والتحالفات الاستراتيجية تريده الصين، ولكن من سيغلب في النهاية؟
الواقع يقول أن العلاقات الصينية مع الغرب لا تسير على ما يرام في النواحي التجارية، وقد بدأت تظهر بوادر المشاكل بينهما في القيود التي بات الأوروبيون والأميركيون يفرضونها على المنتجات الصينية في أسواقهم،
وكانت أزمة المنسوجات الصينية في عام 2005 خير دليل على الضغوط التي يفرضها الغرب على الصين بعد أن أغلقت الأسواق الأوروبية والأميركية في وجه المنسوجات الصينية التي تراكمت في المخازن وتسببت في توقف العشرات من المصانع الصينية عن العمل،
ثم جاءت بعدها أزمة الطاقة مع ارتفاع أسعار النفط والذي رفض الغرب فيها دعم الصين التي تعاني من نقص شديد في الطاقة تهدد عجلة إنتاجها، ولم تجد الصين من ينقذها من أزمتها هذه سوى روسيا التي أبدت استعدادها لمد الصين بما تحتاجه من النفط والغاز، وهكذا بدأت العلاقات بين البلدين تأخذ طابعا جديدا ومنحنى آخر اضطرت فيه بكين للتراجع عن موقفها المتردد في الدخول في تقارب عسكري واستراتيجي مع روسيا.
الآن السؤال المطروح هو.. إلى أي مدى ممكن أن يصل هذا التقارب الروسي - الصيني؟ وهل سيواصل الغرب تعامله السلبي مع الصين ويهمل مشروع احتوائها اقتصاديا وتجاريا؟.
المراقبون في الغرب وأيضا في روسيا يتوقعون أن تتغير الأوضاع إذا ما جاء الديمقراطيون للحكم في واشنطن، خاصة وأن من أكبر الانتقادات التي يوجهها الديمقراطيون للجمهوريين إهمالهم للصين وترك الفرصة لروسيا لتوسع تحالفاتها وطموحاتها الاستراتيجية في القارة الأسيوية،
الأمر الذي يتوقع معه أن يسعى الديمقراطيون لإعادة تفعيل سياسة الاحتواء للعملاق الصيني وإعطائه لمزيد من الامتيازات التجارية والاقتصادية، وهذا في حد ذاته يشكل أهمية كبيرة للصين التي أصبحت التجارة العالمية بالنسبة لها أهم من أية طموحات سياسية أو استراتيجية،
لكن هل ستقف موسكو مكتوفة الأيادي وهي ترى جهودها في الاحتواء السياسي والاستراتيجي للصين تضيع سدى؟ لا شك أن توجهات الرئيس الروسي بوتين الذي يؤكد الجميع على بقائها واستمرارها في روسيا حتى بعد تركه للرئاسة ستستمر في جذب الصين واحتوائها اقتصاديا بجانب التقارب السياسي والاستراتيجي،
ولدى روسيا سلاحها القوى والفعال الذي لا يستطيع الغرب مقاومته، وهو سلاح الطاقة من النفط والغاز الذي لا تستطيع الصين الاستغناء عنه، والذي يتوقع أن يشكل العامل الرئيسي في المزيد من التقارب بين البلدين ونمو علاقاتهما في كافة المجالات إلى المدى الذي يصعب توقع أبعاده من الآن.
جامعة سيبيريا