الانفراج النسبي لأزمة السلطة الفلسطينية الاقتصادية والمالية عقب أحداث غزة الدامية وانفراط حكومة الوحدة الوطنية، لا يجب أن يشغلنا عن تحري دروس هذه الأزمة وتبصر إلهاماتها وما أفصحت عنه من نقائص وعيوب تمس هدف الاستقلال والتحرر وتوهنه بقوة.
بعض هذه النقائص كان ومازال من الوضوح والشفافية بحيث يخرق العين، كالاعتمادية المذهلة على عون المانحين الدوليين من العرب والعجم، وتحكم إسرائيل والولايات المتحدة في تذليل أو تعطيل تدفق هذا العون وصيرورة العمليات الاقتصادية الفلسطينية على الصعيدين الداخلي والخارجي،وارتباط الأبعاد المالية بالمرامي السياسية وضمور الجوانب الإنسانية والعاطفية البحتة لدى معظم القوى المانحة.
لنا أن نلاحظ بكل الأسى في هذا الإطار كيف جاءت اعادة تسييل الدعم المالي للسلطة بعد انهيار مظاهر الوفاق والاصطفاف الفلسطيني النظامي.. الأمر الذي يستبطن تقوية فريق ضد آخر ولا يبشر بخير بالنسبة لنيات بعض المانحين وأجنداتهم تجاه المصير الفلسطيني عموماً في مواجهة الاستعمار الإسرائيلي.
علي اننا نفترض أن الأزمة في صعودها وتعقيدها ثم فتورها انطوت على جوانب ملتبسة؛ لا يسهل تفهم كنهها إلا بالمتابعة المتأنية المهتمة بالتفاصيل. من ذلك مثلاً، بروز مدى هشاشة دور ما يدعى بمؤسسات المجتمع المدني الذاتية، وضعف مساهمات المنظمات الطوعية الأجنبية واسعة الانتشار في أحشاء مجتمع الضفة وغزة.
نحن هنا إزاء ظاهرة لافتة، موجزها أن أكثر من ثلاثمئة مؤسسة طوعية مدنية محلية وخارجية، أوروبية وأميركية بخاصة، تعمل في كافة المجالات الاجتماعية والاقتصادية وتغطي مختلف الحاجات الخدمية الأساسية، لم تتمكن من تشكيل شبكة أمان بديلة تقي المجتمع من غوائل ضغوط المانحين الرسميين. وعليه،
فإن هذا الحشد من الأطر التنظيمية متنوعة الاختصاصات والصلاحيات، هو أقرب إلى الفشل في أداء وظيفته الأساسية: تعميد البنى التحتية للمجتمع ولاسيما على المستوى الاقتصادي والخدمي، بغية تأهيله للحياة بقدر من الاستقلالية والانتقال به إلى طور العمل بقوة الدفع الذاتية.
تقديرنا، بصيغة أخرى، أنه لو كانت المنظومة المؤسسية ذات الطابع الخيري - المنزهة جدلاً عن الأهواء السياسية - تعمل بالكفاءة المتوخاة وبطاقتها الخاصة، لما جأر مجتمع الضفة وغزة بالشكوى على نحو ما سمعنا ورأينا إبان الحصار الرسمي في أوجه. لقد كان أداء هذه المنظومة أقل من المتوقع في وقت العسر والشدة.
وللإنصاف، لا تجوز المساواة بين كافة المؤسسات المعنية من حيث درجة القصور أو التقصير أو العجز، لكننا نتحدث عن الحصاد النهائي الذي يصعب وصفه بالإيجابية وحسن الإنجاز. وللمفارقة فإن عدداً كبيراً من هذه المؤسسات راح بدوره يشكو الفاقة
وضيق ذات اليد أو يغلق أبوابه متعللا بالحصار، فيما منطق الأشياء كان يقضي بعكس ذلك. ولا شك أن ظاهرة كهذه توحي بارتهان المؤسسات الشاكية من حيث مصادر التمويل أو قرارات الممارسة ببعض العواصم المشاركة في الحصار.
لقد جاء حين تساءل فيه البعض عن جدوى ومغزى تزاحم المؤسسات الطوعية الخارجية وتغلغلها في تضاعيف المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال، لا سيما منذ اندلاع الانتفاضة الأولى؟، وعن طبيعة العوائد الاقتصادية وتوابعها السياسية التي قد تنجم عن هذه الظاهرة؟، وعن المشروعات والقطاعات التي تحظى بالأولوية في هذا السياق ومدى ملاءمتها للأهداف الفلسطينية العليا؟، وعن الموقف الإسرائيلي من هذا كله؟..
ما نحسبه الآن أن الواقع المنظور أجاب عن بعض هذه التساؤلات ونحوها، مانحاً إيانا والمعنيين نتائج غير مطمئنة. فمن ناحية، أثبتت الممارسة أن غالبية هذه المؤسسات تتلقى دعماً من حكومات دولها الأم على صعيدي التمويل والتصريح بالنشاط في الأرض الفلسطينية المحتلة.
ومن ناحية ثانية، تأكد أن بعض المشروعات التي تضطلع بها هذه المؤسسات عليها أن تحصل على موافقة الدولة الأم من جهة وعلى مباركة إسرائيل من جهة أخرى. وهذا يعني اختلاط الأبعاد الاقتصادية الخيرية الإنسانية لهذه المشروعات بأبعاد سياسية بحكم المحددات والشروط الحافة بها.
عطفاً على هذه الناحية الأخيرة، لاحظت دراسات ميدانية مختصة أن الرخص الإسرائيلية لا تمنح سوى للمشروعات الخيرية غير الإنتاجية وذات المردود الخدمي أو الاستهلاكي، التي ترفع أعباء كبيرة عن كاهل سلطات الاحتلال ولا ترقى بالاقتصاد الفلسطيني إلى مرتبة الانعتاق أو آفاق الانطلاق الذاتي.
كذلك لفتت هذه الدراسات النظر إلى محدودية التنسيق بين المؤسسات الأجنبية وبين الخبرات المحلية، مما يؤدي عادة إلى رفع معدل المشروعات الفاشلة، ويحول دون احتكاك الكوادر الوطنية بأساليب الإدارة والتخطيط المتطورة التي تعمل وفقها هذه المؤسسات.
يقول أحد اقتصاديي الضفة انه قام بزيارات ميدانية لأربعة عشر مشروعاً أقامتها مؤسسات أجنبية طوعية، وثبت لديه باليقين فشل عشرة منها. هذا على حين يشير خبير فلسطيني آخر إلى أن هذه المؤسسات تتحدث عن أهداف تنموية ومع ذلك ليس ثمة ما يشي بصدقية هذا التوجه أو بصفة الاستقلال والطوعية التي تدعيها لنفسها.
رب مجادل هنا بأن الأطر المدنية الخيرية الفلسطينية المحلية ليست بدورها بمنجاة من سمات العجز وعدم القدرة على الوفاء ببديل النشاط الخيري أو غير الخيري الوافد من عوالم الآخرين. وهذا صحيح إلى حد بعيد.
بل من الصحيح أيضاً أن بعض هذه الأطر نشأ مشوباً بالارتباط العضوي بالمؤسسات غير الوطنية لجهتي التمويل والاشراف، الأمر الذي أحبط سعيه إلى ردف الاقتصاد المحلي بقوة الدفع الذاتي المنشودة.
هذا التقويم السلبي عموماً لأداء المؤسسات الطوعية في الحالة الفلسطينية، شديدة الخصوصية والحاجة للعون من كل حدب وصوب، لا ينطوي على دعوة لحظر عمل هذه المؤسسات أو نبذ مشاركتها في طموحات التطوير والتأهيل الاجتماعي والاقتصادي والخدمي على طريق الاستقلال.
ما نقصده باقتضاب هو ترشيد هذه الظاهرة وإعادة النظر في أنماط نشاطها وتخليصها من وضعية الفوضى والانفلات والاستتباع السياسي والشخصنة، وذلك بإدراجها ضمن مشروع تنموي استقلالي وطني شامل.
ننصح بذلك وفي الخاطر حجم المعاناة التي ترتبت على الانكشاف الاقتصادي والمالي للشعب الفلسطيني وسلطته في زمن الحصار، والثمن السياسي الباهظ الذي قد يساق الفلسطينيون إلى دفعه إذا ما استمر هذا الانكشاف وذهبت عبرة الحصار أدراج الرياح والثرثرة الفارغة.
كاتب وأكاديمي فلسطيني