غدا الثامن والعشرون من سبتمبر يوافق الذكرى السابعة والثلاثين على رحيل جمال عبد الناصر، هذا القائد الذي لا يختلف عليه اثنان من خصومه أو أعدائه أو مؤيديه على أنه شكل نقطة تحول كبيرة في تاريخ العرب الحديث.

وليس أدل على ذلك من أن اسمه مازال يتردد على الساحة وترفع صوره في المظاهرات في العديد من الشوارع العربية، ومازال خصومه يهاجمونه وكأنه حي يقود ويحكم، بل كلما زادت أزمات وكوارث الأمة العربية كلما زاد تردد اسم ناصر وزاد في نفس الوقت هجوم خصومه عليه وبشراسة أكثر من ذي قبل.

لا يختلف اثنان في العالم على أن الصراع العربي الإسرائيلي ينقسم إلى مرحلتين، ما قبل رحيل عبد الناصر وما بعد رحيله، ولم تمتلك أية قيادة سياسية في تاريخ الأمة العربية الحديث وربما القديم القدرة على حشد الشارع العربي مثل عبد الناصر، ومازال ذكر اسمه يثير المشاعر والحماس

وأيضا الأمل لدى الكثيرين في غد مشرق لهذه الأمة تأتي فيه قيادة عربية وطنية قادرة على تجميع هذه الأمة التي يسعى أعداؤها لتشتيتها وتفتيتها، فلم يكن عبد الناصر مجرد مشروع فكري أو أيديولوجي قومي بقدر ما كان مشروعا شعبيا وطنيا يؤمن بقدرة وإمكانيات هذه الأمة ويعرف جيدا من هم أعداؤها ومن هم أصدقاؤها ويعرف كيفية التعامل مع الجميع.

في هذه الذكرى نود أن نشير إلى جانب هام في شخصية عبدالناصر ربما يتناسب مع أيام شهر رمضان الكريم، وهو الجانب الديني في شخصية عبد الناصر، هذا الجانب الذي يحلو للبعض من خصومه عن جهل أن يستخدموه للنيل منه، فكثيرا ما سمعنا من يتهم عبدالناصر بالشيوعية والإلحاد لمجرد تبنيه للنهج الاشتراكي وعلاقاته بالاتحاد السوفييتي،

وهذا الاتهام يبطله تعامل نظام عبد الناصر مع الدين أثناء سنوات حكمه، وأيضا يبطله تعامل ناصر نفسه مع الاتحاد السوفييتي ومع الشيوعيين داخل مصر، أما تعامل عبد الناصر مع الإخوان المسلمين في مصر، وقد كان هو شخصيا ينتمي إليهم يوما ما قبل الثورة، فإنه كان تعاملا سياسيا بحتا لا دخل للدين فيه ولم تطرح فيه حتى الآن أية قضية خلاف دينية بل كلها كانت قضايا صراع على السلطة.

لم يشهد الأزهر وجامعته العلمية دعما وتأييدا من نظام حكم مصري مثلما شهد في عهد عبد الناصر، ويكفينا أن نذكر تأسيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية وتولى رعاية جامعة الأزهر وأنشأ مدينة البعوث الإسلامية التي استقبلت الدارسين والباحثين المسلمين من مختلف أنحاء العالم لتلقي التعليم العالي في الأزهر على نفقة الحكومة المصرية،

وكثيرون منا يذكرون مجلة «منبر الإسلام» أول دورية شهرية إسلامية في تاريخ مصر التي كان يصدرها الأزهر على نفقة الدولة وتباع بسعر رمزي ثلاثة قروش فقط وكانت تحوي مواضيع وقضايا إسلامية يتناولها أكفأ علماء المسلمين الذين يصعب وجودهم وتجميعهم الآن في زمن تشتد حاجتنا لهم فيه أكثر من أي زمن مضى،

ونذكر جميعا لهذا الزعيم الذي اتهموه بالإلحاد أنه هو الذي أمر بتأسيس إذاعة القرآن الكريم لتعمل أربعة وعشرين ساعة متصلة، وأن عبدالناصر هو الذي اختار منبر المسجد ليخاطب منه الشعب ويحثه على قتال العدو، وأنه الزعيم الذي شاهدناه مرات عديدة على شاشات التلفزيون يصلي الجمعة مع الناس، وهو مشهد أصبح نادرا بعد عبدالناصر بحجة الدواعي الأمنية،

ولكن القائد الزعيم الذي كان يؤمن بحب شعبه له كان يؤمن في نفس الوقت أن حب الناس من حب الله وأن الحامي هو الله، ولم يسمع عن عبد الناصر أنه ارتدى يوما قميصا واقيا ضد الرصاص، وكنا نشاهده دائما وسط الجماهير الغفيرة يعانقونه ويصافحونه ويحتار الأمن في حمايته فيتركه لهم، وكم مرة فشلت الإجراءات الأمنية وعانى عبدالناصر وأصيب بآلام بسبب تهافت الجماهير عليه.

أما عن علاقته بالاتحاد السوفييتي فالحديث عنها يطول، يكفي فيها الإشارة هنا إلى أن عبد الناصر لم يكن يوما ما محبوبا من موسكو ولا محل لثقتها الكاملة، وهو الزعيم الثوري الوحيد الذي رفضت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي برئاسة بريجنيف عام 1972 بعد وفاته بعامين إطلاق اسمه على أي ميدان أو شارع في مدن الاتحاد السوفييتي التي حملت أسماء المئات من القادة الثوريين

بحجة أنه لم يكن صديقا مخلصا لهم، وهذه حقيقة انكشفت فيما بعد في مذكرات الزعيم السوفييتي الأسبق خروتشوف.في ذكرى رحيله لا نملك إلا الدعاء له بالغفران ولأماله وأمنياته للأمة العربية كلها بالتحقق على أيدي القادة الوطنيين المؤمنين بالله والمخلصين لقضايا أمتهم وشعوبهم.

elmoghazy@hotmail.com