المئة يوم الأولى من ولاية الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي اتسمت ـ على نحو ما وصفتها مجلة «الإيكونومست» البريطانية ـ بسلوك من النشاط الزائد.. كيف لا وقد عمد قصر الإليزيه الفرنسي انطلاقاً من هذه الجرعة الفائقة ـ الهايبر ـ كما تقول الأسبوعية اللندنية، إلى توزيع اهتماماته على جبهات شتى من خارطة العالم: ما بين الدعوة إلى إقامة اتحاد متوسطي يضم الأقطار المطلة على البحر الأبيض من الشمال إلى الجنوب.

وما بين أنشطة الدعوة إلى السلام في منطقة دارفور ـ السودان.. وما بين الوساطة بين صوفيا وطرابلس ـ الغرب في قضية الممرضات البلغاريات تمهيدا لإطلاق سراحهن من يد السلطات الليبية، إلى معاودة الاهتمام بقضية العراق

حيث أوفد السيد ساركوزي وزير خارجيته المستجد السيد إدوار كوشنير إلى بغداد وهي الزيارة التي أعقبت نزهة ساركوزي مع نظيره الأميركي بمزرعة الرئيس بوش الأثيرة في تكساس.. وأخيرا إلى تحذيرات ساركوزي الموجهة إلى طهران بسبب أنشطتها في المجال النووي.

وقد استخدمنا عبارة «معاودة الاهتمام» بالشأن العراقي باعتبار أن السياسة الجديدة لباريس ـ ساركوزي جاءت في إطار مغاير تماما لسياسة باريس ـ شيراك السابقة التي حاولت ـ دون نجاح ـ إثناء عزم واشنطن على غزو العراق منذ مطالع عام 2003.

يومها اشتعل الأميركيون غضبا ونادى مناديهم بتغيير اسم البطاطس المقلية الشهيرة باسم «الفرنسية» (فرنش فرايز) ليصبح اسمها في مطاعم الوجبات السريعة بالولايات المتحدة مقليات ـ بطاطس الحرية (ليبرتي فرايز) نكاية في موقف فرنسا إزاء غزو العراق!

في نفس الإطار ذاعت تصريحات ساركوزي وغزلياته في مديح السياسة الأميركية حين وصف الولايات المتحدة بأنها «أعظم الديمقراطيات في العالم». الأمر الذي دعا المحللين السياسيين إلى إطلاق عبارة تنطوي على وصف دقيق لهذه السياسات المستجدة في مجال العلاقات الخارجية لباريس حين قالوا: «إن ساركوزي يستهدف «إعادة اختراع» علاقات فرنسا مع المحالفة الأطلسية بشكل عام ومع الولايات المتحدة بشكل خاص».

وربما يصل أمر التمادي في عملية «إعادة الاختراع» هذه إلى حد قرار يصدر في مرحلة ما من المستقبل القريب ليعيد فرنسا إلى المشاركة في إطار القيادة العسكرية المتكاملة للحلف الأطلسي.. بعد أن كانت فرنسا قد خرجت من إطار تلك القيادة بقرار أصدره الزعيم الفرنسي الكبير شارل ديجول عام 1966.

هذه الأجندة الموغلة في الحماس أفرزت في الآونة الأخيرة تصريحات أثارت ولعلها ما برحت تثير عواصف سياسية في أوساط شتى.. بدأت بعبارات جاءت على لسان الرئيس ساركوزي شخصيا لتصف روسيا بأنها تلعب ورقة النفط والغاز بشكل متوحش..

وعبارات أخرى اتهمت الصين بأنها تهدف إلى الهيمنة والسيطرة في ضوء نهمها الذي لا يشبع إلى المواد الخام.. ولم ينس السيد ساركوزي أن يتطرق ـ كما تضيف «الإيكونومست» أيضا ـ إلى الحديث «بغير مواربة عن مخاطر المجابهة بين الإسلام والغرب فضلا عن القول بخيار محتوم.. بين القبول بقنبلة نووية في إيران أو قصف إيران نفسها بالقنابل.

ولعل أحدث ما احتواه هذا الجراب الفرنسي من تصريحات ـ هل نقول عنتريات ـ السياسة الخارجية ما ورد يوم 16 سبتمبر الحالي على لسان السيد كوشنير وزير الخارجية الفرنسي من دعوة العالم للاستعداد لشن حرب على إيران. وهي التصريحات التي أفضت بدورها إلى عاصفة من الرفض والانتقاد ثارت على المستوى الدولي ضد تلك التصريحات بوصفها أمرا مفاجئا من جهة،

وباعتبارها من جهة أخرى نوعا من دق طبول الحرب بكل تداعياتها الخطيرة في منطقة الشرق الأوسط بأسرها، ولدرجة دفعت هذه الدوائر إلى القول بأن فرنسا تتحرك حثيثا لكي تقترب بشكل وثيق من موقف إدارة بوش الأميركية إزاء خيار شن الحرب على إيران

على نحو ما يقول التحليل الشامل الذي نشرته جريدة نيويورك تايمز (عدد 16 سبتمبر) استنادا إلى ردود الفعل في عدة عواصم كبرى ومنها موسكو تحذيرات الكسندر لوسيوكوف نائب وزير الخارجية الروسي من أن «أي تدخل عسكري في إيران سيبكون خطأ سياسيا يؤدي إلى عواقب كارثية».

كما نقلت من باريس محاولات أوساط الكي دورسيه (الخارجية الفرنسية) تخفيف تصريحات وزيرها فأومأت إلى أن تركيز المسيو كوشنير قد تحوّل عن التهديد بالحرب إلى الدعوة لمفاوضات صعبة ومضنية لحمل إيران على التخلي عن أنشطتها النووية فيما حرصت الجريدة الأميركية على أن تنقل من فيينا

تصريحات الدكتور محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي دعا العالم فيها إلى التعلم من دروس العراق الذي تعرض لخيار الحرب (من جانب أميركا وحلفائها) تحت طائلة الشك بوجود أسلحة الدمار الشامل النووية

ثم راح ضحية هذا الشك نحو 700 ألف مدني من أبناء العراق ـ الأمر الذي يفرض ـ في رأي البرادعي ـ عدم استخدام القوة سوى كحل أخير في معالجة الخلاف الراهن حول برنامج إيران النووي.. هذا إضافة إلى أن أي حل (عسكري) من هذا القبيل لابد وأن يحظى أساسا بتفويض من جانب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة..

وكان طبيعيا أن تبادر وزيرة الخارجية الأميركية إلى ما يشبه تأنيب الدكتور البرادعي الذي تدخل ـ كما أشارت السيدة رايس في السياسة. اما وزير الخارجية الفرنسي فقد بادر من جانبه ـ كالعادة ـ إلى إلقاء اللوم على عاتق الصحفيين في محاولة لتخفيف لهجته وتهديداته المعسكرة ضد إيران وجاء هذا التخفيف في رأينا كاستجابة من جانبه إزاء رد الفعل الغاضب من طهران ومن عواصم دولية وإقليمية أخرى، مؤكدا أنه رجل سلام وليس داعية حرب وأن فرنسا لا تتلقى الأوامر من أميركا.

ونحسب أن كوشنير كان يتحسّب أيضا لمحادثاته التي أجراها في منتصف سبتمبر مع نظيره الروسي سيرجي لافروف حيث كان البرنامج النووي الإيراني على قمة جدول مباحثات الطرفين وحيث استبقت موسكو المباحثات بتصريح لوكيل الخارجية الروسي يقول فيه لا يوجد حل عسكري للمشكلة الإيرانية.

كما نتصور في هذا السياق أن المحادثات بين روسيا وفرنسا ركزت أكثر على جانب العقوبات الدولية بدلا من التركيز على جانب الحلول العسكرية.. ومن البديهي أن العقوبات المطلوب أن يفرضها مجلس الأمن ـ أو الجزاءات كما يقول مصطلح الأمم المتحدة ـ لابد وأن تحظى أساسا بموافقة من جانب موسكو التي تتمتع ـ كما هو معروف ـ بحق النقض في مجلس الأمن

ومن ثم يعتبر تأييدها لأي قرار جزائي في هذا الخصوص أمرا حاسما لحمل طهران على التخلي عن عمليات تخصيب اليورانيوم رغم أن الأخيرة ما برحت تؤكد أنها تسعى لإنتاج الطاقة النووية للأغراض المدنية بعامة ومن أجل توليد الطاقة الكهربائية على وجه الخصوص على نحو ما ذكرته تحليلات هيئة الإذاعة البريطانية.

في كل حال فنحن نرى أن الموقف الأخير من جانب الدبلوماسية الفرنسية في عهد الرئاسة الجديدة بقصر الإليزيه يصدر عن رؤية يمكن وصفها بأنها «براغماتية» بمعنى أنها أقرب إلى المنطق العملي.. الواقعي والنفعي والمصلحي البحت الذي طالما اتسم به الأميركيون الذين يواصل ساركوزي الاقتراب من سياستهم متخليا بذلك عن سياسة أسلافه من محاولات الاستقلالية (ديجول) أو مجرد التباعد (شيراك).

لهذا أصغى المراقبون جيدا إلى مفردات الخطاب السياسي المستجد والصادر عن الرئيس ساركوزي فكان أن لاحظوا أنه جاء خاليا من ترديد المصطلحات الفرنسية الأثيرة من قبيل عظمة فرنسا (غراندير) أو مجدها التليد (غلوار) وذلك لصالح مفاهيم جديدة لاحظتها الإيكونومست بدورها ـ وعبرت عنها مصطلحات مغايرة تدور في معظمها لا عن المجد بل عن النفوذ.. ولا يتحدث مضمونها عن فرنسا ـ المكانة بل عن فرنسا ـ الدور.

ولا مراء في حق كل دولة أن يكون لها دورها ونفوذها وتأثيرها بما يحقق مصالحها القومية، ولكن شريطة ألا يكون هذا كله على حساب الأمن والاستقرار والتنمية والأقطار في الشعوب الأخرى التي تدرك بيقين أن السلام والاستقرار هما جناحا التنمية والتقدم والرخاء.. وفي مقدمة هذه الشعوب.. شعوبنا في شبه الجزيرة العربية وفي جناحي الوطن العربي والشرق الأوسط بشكل عام.

كاتب مصري