تتعلم الأمم الناهضة من أخطائها وتحاول معالجة قصورها بأسرع ما يمكن، فالتقدم أصبح متاحاً للأسرع وليس للأضخم، غير أن البلدان العربية ليست مهمومة في الغالب بإزالة أصفاد البيروقراطية التي تكبل خطاها قدر اهتمامها بإزالة الصدأ عن هذه الأصفاد، لتظل لامعة كما هي نياشين القادة العسكريين الذين يسيطرون على المشهد مع أنهم لم يخوضوا حرباً واحدة طوال أعمارهم.

في العام 1957 فوجئت أميركا بإطلاق الاتحاد السوفييتي للقمر الصناعي سبوتنيك، فبدأ المجتمع العلمي الأميركي يغلي بحثاً عن الأسباب التي قادت لتفوق الخصم الذي كان يتنازع واشنطن قيادة العالم، فأحدث الأميركيون ثورة في التعليم،

ومع أن أميركا تمكنت من اللحاق بالتقدم العلمي الروسي والتفوق عليه إلا أن هاجس تطوير التعليم ظل حاضراً، فصدر تقرير «أمة في خطر» عام 1983 وظلت اللجنة التي أصدرت التقرير تتابع المسيرة التعليمية حتى نهاية القرن.

لكن العالم العربي ينام ويصحو على الواقع المتيبس ذاته دون تململ رغم أن التقارير الدولية تضعه في مصاف الدول المتخلفة، وإذا كانت الصراعات العسكرية توقظ همم الأمم فإن ما يحدث داخل العالم العربي يجعله يسير في اتجاه معاكس لطبيعة الأشياء،

فالعدو الذي هزمنا في أكثر المنازلات العسكرية يتقدم ويلاحق الدول الكبرى في انجازاته العلمية والتقنية دون أن يمثل لنا ذلك شيئاً، وكأننا نبصم بأصابعنا العشرة على أننا لن ننتصر عليه في المستقبل لأننا ببساطة لا نأخذ بأبسط أسباب الانتصار.

لن نستعرض الانجازات التكنولوجية لإسرائيل ولا تفوقها في مجال التسليح والعصرنة والوقوف على مشارف الفضاء وإطلاق أقمار للتجسس على المنطقة ورصد كل ما يجري فيها على مدار الساعة، بل ان إلقاء نظرة على عدد العلماء الإسرائيليين الحائزين على جائزة نوبل ومقارنتهم بنظرائهم العرب،

أو إلقاء نظرة على أفضل 500 جامعة في العالم واكتشاف أنها تضم 5 جامعات إسرائيلية مقابل جامعة عربية يتيمة (هي جامعة القاهرة) كفيل بأن يجعل مفاصلنا ترتعد على أجيال المستقبل الذين كتب عليهم أن يخوضوا صراعاً سياسياً وعسكرياً وحضارياً غير متكافئ.

قبل أيام قليلة نشرت منظمة التنمية والتعاون الأوروبية تقريرها السنوي بعنوان «نظرة على التعليم 2007 » حمل التقرير مفاجأة من العيار الثقيل إذ أكد أن إسرائيل تحتل المرتبة الأولى في قائمة من 29 بلداً تضم الأعضاء الأصليين في المنظمة ودولاً أخرى تتمتع بعضوية المشاركة وذلك في الإنفاق على التعليم، إذ تنفق الدولة اليهودية 3. 8 % من إجمالي ناتجها المحلي،

وهو رقم أعلى مما تنفقه أميركا الدولة التي تتربع على العرش العلمي العالمي بجامعاتها ومخترعاتها، وإن شئنا المقارنة بين إسرائيل ومحيطها العربي نجد فجوة هائلة، ففضلاً عن عدم التيقن من صحة الأرقام الصادرة عن الدول العربية، لا يزيد المتوسط عن 2% من النفقات العامة.

ومما يثير الإحباط أن نسبة إنفاق الدول العربية على السلاح الذي لا يستخدم ويرمي في المخازن حتى يتحول إلى خردة تصل إلى 8% علماً بأن هذا الإنفاق لا تستفيد منه غير مصانع السلاح الغربية ، وهو رقم يبلغ ضعف الإنفاق على الصحة والتعليم مجتمعين في بلداننا العربية، وذلك حسب تقرير التنمية البشرية لعام 2005.

التعليم العربي بحاجة إلى انتفاضة كمية ونوعية، يكفي أن تعرف أننا دخلنا القرن الواحد والعشرين بنحو 60 مليون أمي وذلك وفق أكثر التقديرات تفاؤلاً ... فيما كانت أميركا تتداعى إلى مؤتمر قومي حين اكتشفت أن نظام التعليم في اليابان وكوريا الجنوبية يتفوق على النظام الأميركي، فهي تدرك أن هذا لا يعني سوى أنها ستكون في خطر بعد عشرة سنوات.

المثير للانتباه أننا لا نتقدم ولو تقدماً بطيئاً، بل نتأخر، فنصيب الفرد من الإنفاق على التعليم سنوياً كان 122 دولاراً عام 1985 تراجع إلى 112 دولاراً بعدها بعشر سنوات في حين كان متوسط الإنفاق في الدول الغربية 512 دولاراً ارتفع إلى 1211 دولاراً.

واللجوء إلى لعبة الأرقام يسبب إحباطاً كبيراً أينما وليت وجهك، فعدد العلماء والمهندسين لكل مليون من السكان بلغ 202 شخص في العالم العربي عام 1994 فيما بلغ 2685 في أميركا، و 2636 في كوريا الجنوبية و 2512 في سنغافورة للعام نفسه، وفي الغالب فإن التغيير الذي حدث عربياً في الأعوام الـ 13 الماضية يظل محدوداً.

العالم العربي يتنازعه الآن نوعان من التعليم .. تعليم حكومي سيء وذو نوعية متدنية على الأقل حتى الثانوية العامة، وتعليم خاص باهظ التكلفة يتمتع به الميسورون، وبهذا يفقد التعليم دوره الذي لعبه منذ منتصف القرن الماضي كوسيلة للصعود الاجتماعي ..

هنا تكمن أهمية مبادرة دبي العطاء، التي لو أحسن توجيهها لسدت هذه الفجوة المخيفة ولأعادت للعالم العربي الطبقة الوسطى التي تآكلت بفعل السياسات الفاشلة لأغلب نظم الحكم العربية. نحن في حاجة إلى ثورة تعليمية في كل بلداننا العربية إن أردنا لنا مكاناً على خريطة المستقبل.