كان لافتاً كثافة التطمينات الإسرائيلية لسوريا خلال الأشهر الماضية، فنادراً ما كان يمر يوم إلا ويصدر تصريح عن مسؤول إسرائيلي يؤكد فيه أن لا نية لدى إسرائيل بالعدوان على سوريا، وأرسلت الحكومة الإسرائيلية رسائل عديدة بهذا المعنى للمسؤولين السوريين حملها وزراء أو مبعوثون أوروبيون أو أمميون أبلغوها للحكومة السورية.

وتسابق المسؤولون الإسرائيليون في تصريحاتهم المطمئنة من رئيس الوزراء إلى وزير الدفاع إلى وزيرة الخارجية إلى غيرهم، وساهمت الصحافة الإسرائيلية بدورها بحملة التصريحات والتحليلات المماثلة، وألغى الجيش الإسرائيلي مناورات كان قد بدأها في الأراضي السورية المحتلة (الجولان) لئلا يشتم منها رائحة التهيئة للعدوان، وبدا وكأن الإسرائيليين يخافون من أي رد فعل سوري، ولا يريدون استفزاز سوريا بأية حال.

واعتقد محللون سياسيون وصحافيون كثيرون أن إسرائيل أخذت العبرة من عدوانها على لبنان في العام الماضي، ولا تريد أي خطأ يباغتها بحرب غير مستعدة لها، وان همّ إيهود اولمرت الرئيسي هو الخلاص من تبعات العدوان على لبنان التي خفضت شعبيته الداخلية إلى حدود دنيا لم يبلغها أي رئيس وزراء إسرائيلي من قبل والنجاة من تقرير لجنة فينوغراد،

أو أن إسرائيل لا تريد زيادة هموم إدارة الرئيس بوش المتورطة في الوحل العراقي، وهناك من قال إن الجيش الإسرائيلي يحتاج لمدة غير قصيرة ليعيد النظر باستراتيجيته واستعداداته وأنه بصدد إعطاء أهمية للسلاح البري بعد فشل القوى الجوية في تحقيق أهدافه

ويتطلب ذلك تهيئة وتدريب وتسليح وإعادة هيكلة ووقت كاف، وعلى أية حال استطاعت السياسة الإسرائيلية وإعلامها إقناع الجميع بعزوف إسرائيل عن العدوان وميلها إلى تهدئة التوتر مع سوريا (ومع لبنان) والتراجع عن الاستفزاز ريثما تجدّ ظروف جديدة داخلية وعسكرية ودولية.

في هذا المناخ وبعيد ساعات من نقل أحد الموفدين آخر رسالة إلى سوريا اخترقت الطائرات الإسرائيلية المجال الجوي السوري ووصلت إلى شمال شرق سوريا وقصفت مواقع أو (أفرغت حمولتها) وعادت، ولم تعلن إسرائيل عن عدوانها هذا

بل صمتت عن الرد على الإعلان السوري فلم تؤكد ولم تنف، واستأنف السياسيون والمحللون ووسائل الإعلام في المنطقة وفي العالم تحليلاتهم، فبعضهم افترض أن الطائرات الإسرائيلية قصفت أسلحة قادمة من إيران إلى حزب الله، والبعض الثاني رأى أن الاختراق الجوي الإسرائيلي إنما هو اختبار لرادارات وصواريخ سوريا استوردت مؤخراً من روسيا،

والبعض الثالث اعتبرها رسائل لسوريا وإيران وربما لروسيا أيضاً، وعلى أية حال كان الاختراق الجوي الإسرائيلي مخالفاً للتطمينات التي سبقته وخارج السياق العام الذي كانت تعلن عنه إسرائيل، وتكذيباً لكل تطميناتها التي كانت تؤكد عدم وجود نية لديها للعدوان أو الاستفزاز كما كانت تكرر منذ مطلع العام الحالي.

بعد أيام من اختراق الطائرات الإسرائيلية لحرمة الأجواء السورية صرح جون بولتون صقر الصقور الأميركي ومندوب الولايات المتحدة السابق لدى الأمم المتحدة والوجه البارز من وجوه المحافظين الجدد أن الطائرات الإسرائيلية قصفت مواقع تحتوي منشآت أو معدات صالحة

لإنتاج السلاح النووي قدمتها كوريا الشمالية إلى سوريا، وانفتح باب الاستنتاجات في الصحافة الأميركية منطلقاً من هذه المزاعم، وذهب بعضها وبعض الدبلوماسيين الأميركيين بعيداً فطالبوا سوريا بإثبات خطأ ما يقولون وإلا ستكون مزاعمهم صحيحة،

واستنتاجاتهم لاشك فيها، وتناسوا أنه من البديهي أن (البينة على من ادعى)، تماماً كما كانوا يطالبون النظام العراقي قبل الغزو بإثبات عدم امتلاكه أسلحة الدمار الشامل. وبدأت المزاعم تتسع وتتفشى وتتراكم لدى الرأي العام الأميركي وغير الأميركي تمهيداً لجعله حقيقة، تماماً كما حصل قبيل غزو العراق وانطلاق المزاعم في ذلك الوقت بوجود سلاح دمار شامل فيه.

يعرف المختصون والسياسيون والعسكريون أن إنتاج السلاح النووي يحتاج لأدوات ومصانع وأجهزة وتقنيات ومواد أولية وتراكم خبرات علمية وبشرية، فهو ليس كإنتاج السلاح الكيماوي يمكن أن ينتج في معمل صغير وبوسائل سهلة وخبرات وتقنيات متواضعة، فالأمر هنا في غاية التعقيد ويحتاج إضافة إلى ما سبق إلى تكاليف باهظة تنوء تحت عبئها أغنى الدول فكيف بسوريا متواضعة الدخل والميزانية والإمكانيات.

ومن البديهي أن الإدارة الأميركية وإسرائيل والدول الأخرى جميعها تعرف استحالة أن تكون سوريا بدأت الاستعداد لمثل هذا الإنتاج أو سارت خطوة فيه، لأنها لا تملك المقومات المطلوبة ومع ذلك أُطلقت الكذبة وانتشرت المزاعم ولا يستبعد أن تستمر وسائل الإعلام الأميركية والإسرائيلية والسياستان الأميركية والإسرائيلية في التأكيد عليها

بهدف إقناع الرأي العام العالمي الذي لا يعرف تقنيات الصناعة النووية والإمكانيات المطلوبة لذلك، بهدف إلحاق سوريا بإيران كدولة تهدد (السلم العالمي) والأمن الدولي، وبالتالي فهي تستحق أن تكون العضو الثالث بمحور الشر مع إيران وكوريا.

لعل هذه الكذبة الكبرى تهدف من جهة لتبرير أو للسكوت عن امتلاك إسرائيل القنبلة الذرية والتصديق أن هذا الامتلاك هو وسيلة للدفاع عنها أمام الأخطار المحتملة من قبل الدول العربية، ومن جهة أخرى تسويغ أي عدوان إسرائيلي محتمل ضد سوريا في المستقبل.

إن الأخطر في هذا المجال هو أن تتجاهل السياسة السورية هذه المزاعم وتفترض أنه من البديهي أن دول العالم لن تصدقها وتطمئن لمثل هذه البديهيات، ولعله من الضروري بل من الملح أن تطلب سوريا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن ترسل لجنة مختصة تزور سوريا من شمالها إلى جنوبها لتلمس لمس اليد أكذوبة هذه المزاعم

ويصدر عنها ما ينفيها من أول الطريق قبل ولوغ السياسة الأميركية والإسرائيلية ووسائل إعلامهما في المضي بعيداً في تشكيل وعي عالمي زائف عن امتلاك سوريا لمثل هذا السلاح أو هي في طريقها لامتلاكه، أما الأشد خطراً فهو تكرار الاختراقات الإسرائيلية والاستفزاز وربما العدوان على سوريا بحيث تضطر سوريا للرد بصيغة أو أخرى

فتجدها إسرائيل فرصة لعدوان شامل مدمر على سوريا، في مناخ من المبررات الكاذبة بامتلاكها السلاح النووي أو لمواجهة (العدوان السوري) المحتمل وتكون الولايات المتحدة وإسرائيل في النهاية استدرجتا سوريا إلى ما لا يجب أن تُستدرج إليه ووضعها مع إيران في سلة واحدة،

خاصة وأن أصوات طبول الحرب ضد إيران بدأت تسمع من بعيد وربما ستقترب شيئاً فشيئاً، ولاشك أن سوريا ستكون أول المتضررين من الحرب ضد إيران هذا إذا سلمت هي أيضاً من ضربة مماثلة أميركية أو إسرائيلية.

يبدو أن التهدئة الإسرائيلية المزعومة لم تكن جدية وإنما وسيلة لأهداف بعينها وهي المرحلة الأولى تلاها اختراق الطيران الإسرائيلي وأخيراً الاتهام لسوريا بامتلاك السلاح النووي وصولاً إلى تسويغ عدوان شامل على سوريا يدمر البنية التحتية والمراكز الحيوية ويعيدها عقوداً إلى الوراء.

كاتب سوري