تدور مناقشات ساخنة حول توقعات بارتفاع أسعار النفط لأكثر من مئة دولار للبرميل، ما يعتبر ارتفاعا قياسيا في أسعار النفط منذ ظهوره في السواق العالمية. ومما لاشك فيه أن أسعار النفط ستواصل ارتفاعها نظرا لنقص موارد الطاقة خلال السنوات العشر المقبلة، بسبب تزايد الطلب في الأسواق العالمية على النفط.
ولابد من القول أن هذا النقص في موارد الطاقة ليس حتميا، باعتبار أن الشركات الأمريكية قادة على استثمار حقول النفط المكتشفة، او استخدام الرمال كبديل للنفط واستثمارها كمصدر للطاقة. ما يمكن أن يؤدى لانهيار أسعار النفط.
وسبب عدم إقدام الشركات الأميركية على ذلك هو الأرباح التي تحققها هذه الشركات، إضافة إلى أن الاعتماد على النفط والغاز كمصادر للطاقة يعيق أوروبا واليابان عن تطوير قاعدتها الصناعية بشكل متسارع للتفوق في المنافسة الصناعية الدولية.
وقد أدركت روسيا أن مصادر الطاقة لم تعد مجرد سلع في الأسواق العالمية وانما أصبحت ثروات استراتيجية تلعب دورا في النفوذ السياسي لمنتجيها، ما دفع موسكو منذ بداية القرن الحالي لعمل بجدية على استعادة نفوذ روسيا على ثرواتها القومية،
وفرض ملكية الدولة على شبكات نقل الطاقة. ولم تمانع الحكومة في أن يتم توظيف رؤوس أموال أجنبية في مشروعات استثمار النفط والغاز، طالما هذه الاستثمارات ستوفر التقنيات المتطورة لقطاع إنتاج الطاقة.
وقامت الدولة بتقسيم العمل بين شركات القطاع الخاص الروسية والشركات الحكومية، حيث اقتصرت مهمة استثمار حقول النفط والغاز على الشركات الحكومية، فيما فسح المجال لشركات القطاع الخاص كي تقوم بتسويق المنتج الروسي في أسواق رابطة الدول المستقلة، مستفيدة من شبكات نقل الطاقة التي مازالت تسيطر عليها روسيا.
وفى سياق مساعيها لزيادة حجم صادراتها من الطاقة، تبذل الحكومة الروسية جهودا لزيادة حجم صادراتها من مشتقات النفط، وتقليص حجم صادراتها من النفط الخام، بهدف تطوير صناعاتها النفطية.
ولتسويق سياساتها بشكل يحترم مصالح كافة الأطراف الدولية، طرحت موسكو صيف العام الماضي على قمة الثماني الكبار مشروع لضمان أمن الطاقة، وذلك بعد أن قدمت العديد من البراهين أنها شريك كامل الأهلية في نادي الأغنياء على كافة المستويات بما فيها المستوى السياسي والاقتصادي.
الذي يدعو لإنشاء منظومة عالمية لضمان ما يسمى بـ «أمن الطاقة»، وتستند هذه المنظومة إلى مجموعة من اتفاقات بين الدول الرئيسية المستهلكة لموارد الطاقة والدول المنتجة بهدف تخفيف حدة التنافس في أسواق الوقود والطاقة وتضمن توريد وتصريف موارد الطاقة،
وتولي العقود الطويلة الأجل لتوريد النفط والغاز الأولوية القصوى على السوق الحرة. خلافا للسياسة السائدة حاليا والتي تستند إلى ضرورة الإسراع بتحرير أسواق الطاقة في الاتحاد الأوروبي وتقليص مشتريات موارد الطاقة خارج الاتحاد الأوروبي.
ولم يسبب تجاهل الغرب للمشروع الروسي إحباطا للقيادة السياسية، التي بدأت تبحث عن سبل أخرى لتطبيق مشروعها الذي يمكن أن يحقق مصالح المنتجين والمستهلكين، لم يوفره من ضمانات باستمرار إمداد الطاقة للمستهلك من جهة، وتقليص تكاليف إنتاج الطاقة على المنتج وبالتالي زيادة أرباحه من جهة أخرى. يتضمن مشروع صيانة امن الطاقة العالمي التزام من الدول الثماني الكبار بتوفير الظروف لجذب استثمارات كبيرة إلى قطاع الطاقة،
وذلك من أجل زيادة إنتاج موارد الطاقة وحجم صادراتها، وتقديم التقنيات المتطورة لتوفير الطاقة. ولابد من الأخذ بعين الاعتبار أن أوضاع سوق الطاقة العالمي تسير نحو أزمة (فقر الطاقة) الناجمة عن عدم التوازن بين قوى الطلب وقوى العرض وأسعار النفط المرتفعة وأعمال الإرهاب والتخريب والتي تسبب عدم استقرار أسواق الطاقة ارتفاع أسعار النفط ،
وستؤدي إلى تدهور الوضع الاقتصادي في العالم، وتحميل الاقتصاديات الهشة للبلدان الفقيرة أعباء ثقيلة، ستنعكس سلبا على تنمية اقتصاديات هذه البلدان، إضافة إلى انه سيؤدي بالضرورة لارتفاع أسعار مصادر الطاقة الأخرى.
ولا تهتم الدول الغربية لمقترحات روسيا في هذا السياق بقدر ما تبذل جهودا مكثفة لتوفير الفرصة لشركات البلدان المنتجة والمستهلكة للنفط والغاز للاستثمار في عمليات التنقيب والاستخراج وتكرير النفط والتسويق في بلدان أخرى،
أي أن خطة العمل في مجال أمن الطاقة التي تدعو الدول الغربية إلى تبنيها تلزم روسيا كبلد منتج للنفط والغاز بإتاحة المدخل إلى حقول النفط والغاز في أراضيها للشركات الأجنبية.. وهل طالبت روسيا بشيء مقابل؟
ربما كان من الأفضل لروسيا أن تطالب شركاءها بضم العملة الروسية الروبل إلى مجموعة العملات الرئيسية إلى جانب الدولار واليورو والين، إلا أن روسيا لم تطرح استخدام الروبل في تسوية مدفوعات المبادلات التجارية الدولية على شركائها الغربيين، ما يعنى أن أولويات موسكو تركز على إدراكها بأهمية حماية الأسواق الدولية من الارتباك، وتصعيد التوتر الذي يمكن أن يهدد استقرار وامن المجتمع الدولي.
ووفق معدلات النمو الحالية لاستهلاك النفط فإن دول العالم ستحتاج إلى أعداد 7 أو 8 أمثال عدد حقول النفط التي تستثمرها السعودية الآن لتكون جاهزة للاستثمار قبل عام 2030 وفقا لتقديرات الوكالة الروسية للطاقة. وفى ظل الغموض الذي يخيم على استراتيجيات الطاقة لبعض البلدان يخيم على وضع الأسواق تهديد لأمن الطاقة وخاصة استمرار إمداد بلدان العالم بالطاقة نبل وينذر بإمكانية اندلاع صراعات حادة للسيطرة على مصادر الطاقة.
وظل احتياج روسيا لتطوير تقنيات استخراج وتكرير النفط، باعتبار أن الآليات المستخدمة حاليا لم يتم تحديثها او تطويرها منذ السبعينات من القرن الماضي، لذا يسود اعتقاد في موسكو أن مصالح المستهلك الغربي لابد وأن تدفعه للتعاون مع روسيا في هذا المجال حتى يضمن استقرار إمداد الطاقة. فيما يبدو أن الشركات الغربية لن تسارع لتبنى هذا الحل، وإنما ستحاول البحث عن مصادر بديلة للطاقة، ليس فقط لإضعاف النفوذ الروسي المتنامي، وإنما أيضا لتخفيف شروط موسكو التي تعتبرها الأوساط الغربية مجحفة ومبالغ فيها.
إن مشروع امن الطاقة كان يمكن أن يكون السبيل لتحقيق مصالح روسيا والعديد من دول العالم، لو كان المجتمع الدولي يخضع لأحكام منظومة العالم متعدد الأقطاب، على أن يكون تعدد القطبية سياسيا واقتصاديا وإيديولوجيا، وأما أن تكون من نفس الصنف، فلن تثبت أقدامك إلا عبر صراع تناحري، وهو ما يجب أن تدركه روسيا و بقية الدول الساعية للاستقرار.
مركز دراسات الطاقة روسيا