تقف الأمة الأميركية أمام خيار واضح في سبتمبر الجاري. فالرئيس جورج بوش سيصر على أن يواصل الكونغرس الحرب في العراق وسيطلب 50 مليار دولار إضافية من أجل مواصلة الاحتلال. وهذه الأموال تضاف إلى الـ 147 مليار دولار التي تمت الموافقة عليها بالفعل من أجل العراق وأفغانستان خلال العام الحالي وذلك بالإضافة إلى الميزانية العسكرية السنوية التي تبلغ 460 مليار دولار.

وهذا يعني أن الإنفاق العسكري لأميركا خلال العام الجاري يعادل الإنفاق العسكري لكل دول العالم مجتمعة. وفي الوقت نفسه، فإن الرئيس يتعهد باستخدام حق الفيتو ضد أي مشروع إنفاق يمس البرامج الداخلية بما يخالف الميزانية التي وضعها في هذا الصدد.

فقد هدد باستخدام حق الفيتو ضد أي زيادة في برامج الرعاية الصحية للأطفال وقروض الجامعات والمنح الدراسية والمدارس العامة والطاقة المتجددة والبنية التحتية. والفارق بين ميزانية الرئيس وميزانية الكونغرس في هذا الصدد يبلغ 20 مليار دولار.

الديمقراطيون في الكونغرس تقريبا كلهم مجمعون على المطالبة بسحب القوات الأميركية من الحرب الأهلية الدائرة في العراق. في حين أن الجمهوريين ينتظرون تقارير الجنرال بترايوس ووكالات الاستخبارات واللجان المستقلة التي يفترض تقديمها كلها بنهاية الشهر الحالي.

لا شك أن التقارير لن تأتي بنتيجة واحدة، وذلك في الوقت الذي تدّعي فيه الإدارة الأميركية تحقيق تقدم، فيما تعرب الجهات الأخرى عن شكوكها إزاء الوضع في العراق؛ فالمؤيدون للحرب سينظرون إلى نصف الكوب الممتلئ في حين سينظر المعارضون إلى النصف الفارغ، ولكن في الحقيقة لا يوجد اختلاف كبير بين المعسكرين.

فاحتلال دولة هو أمر صعب ومكلف ومميت. لقد قال الجنرال بترايوس من البداية إنه إذا سارت الأمور بشكل جيد فإن الأمر يحتاج من 10 إلى 20 عاما كي يجري تهدئة العراق وإعادة بنائه وتكوين دولة ديمقراطية عاملة هناك، ما يعني أن يرتفع إنفاقنا على العراق إلى تريليوني دولار مع احتمالية أن يقتل ما يزيد على 6 آلاف أميركي.

ونحن بالفعل الآن ندفع ثمن حرب العراق. لقد سقط جسر في منييبوليس. وتحطم صمام شبكة صرف صحي في مانهاتن وأُصيب السكان هناك بالهلع. أبناء الطبقة العاملة لا يستطيعون تحمل تكاليف الدراسة الجامعية. قطاع النقل لدينا يصرخ من أجل التطوير. نظام الشريط العريض لاتصالات الإنترنت هو الأكثر بطءاً بين جميع الدول الصناعية. خدمات صف السيارات لدينا في حالة رثة. الاستثمارات الداخلية في أميركا أكثر من سيئة.

أمام أميركا خطة من ثلاث نقاط في العراق: وقف تدفق الأسلحة وتأمين الشوارع، تدعيم الديمقراطية والاستثمار في البنية التحتية الحيوية ودفع العراقيين لسوق العمل. المفارقة تشير إلى أن أميركا أمامها المهمة نفسها هنا داخل أراضيها، غير أن التكلفة هنا ستكون أقل بكثير لأننا لا نعني حربا طائفية.

إن الخيار الذي سيقف أمامه الأميركيون في سبتمبر المقبل لا يتعلق فعليا بالعراق، بل إنه يتعلق بالولايات المتحدة. فمثلما كانت الحال في روما وبريطانيا والاتحاد السوفييتي من قبلنا، فنحن نواجه الخيار التالي: الإمبراطورية أم الجمهورية؟

فنحن إما نحرس شوارع بغداد وبحار العالم وحدود كوريا والبوسنة ونبني جيلا جديدا أكثر فتكا من الأسلحة النووية وأسلحة الفضاء، أو نعمل على الاستثمار هنا في بلادنا في مجالات حيوية لحياتنا. فنحن إما أن نكون شرطي العالم أو المدينة فوق التل،

ولكننا لا يمكننا أن نكون الاثنين في آن واحد، فكما قال الدكتور مارتن لوثر كنغ فإن «الدولة التي عاما تلو الآخر ترتفع تكاليفها العسكرية على معدلات إنفاقها على برامجها الاجتماعية تقترب من الموت المعنوي».

أميركا الآن تعاني من ارتفاع معدلات الظلم وعدم المساواة بين أفرادها وتعاني انكماش طبقتها الوسطى وتراجع الصناعات التصديرية وارتفاع في حجم الدين الأجنبي والاعتماد على البنوك المركزية الخارجية.

جيشنا هو الأقوى في العالم ولكننا نعاني عدم الأمن داخليا. نحن حتى لا نقوم بأي استثمارات في مجالات الطاقة المتجددة من أجل تقليص اعتمادنا على واردات النفط ومعالجة ظاهرة التغير المناخي التي تنذر بكارثة. لقد أدرك الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون أنه من غير الممكن الجمع بين المدافع والزبد. يجب أن نختار بينهما.

وخيار بوش واضح للغاية، فهو قد اختار أن يحتل العراق حتى إذا كان الأمر يتطلب حرمان الأطفال من الرعاية الصحية والخدمات التعليمية الجيدة. والآن على أعضاء الكونغرس أن يقرروا ما إذا كانوا يتفقون معه أم لا.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»