في مساء أحد أيام الصيف المنصرم كنت جالساً في أحد المطاعم منتظراً تسلم طلبي الذي استغرق 20 دقيقة تقريباً، وكالعادة فإن المطعم كان مكتظاً بالسياح الخليجيين الذين يفدون على إمارة دبي في فترة الصيف لحضور فعاليات مهرجان صيف دبي.

وخلال انتظاري شاهدت طفلة لا يتجاوز سنها 8 سنوات تقدمت إلى العاملين بالمطعم لتسألهم عن بلدانهم فقام كل واحد بإخبارها ولو شيئاً بسيطاً عن بلده (الآسيوي) وبدورها أخبرتهم بأنها من بلد خليجي وأنها جاءت مع عائلتها للسياحة، ثم توجهت إلى أحد العاملين وسألته: «أتعرف شاروخ خان؟» فأجاب العامل: «نعم» أتعرف سلمان خان، نعم، أتعرف فلان أتعرف علاّن ثم جاء أخوها الذي يكبرها بسنتين تقريباً ليوجه سيلاً من الأسئلة هو الآخر للعامل حتى قال: «أتعرف جاكي شان»؟ فقال العامل: «نعم أليس هو الممثل الإنجليزي؟» فضحك الطفلان وقالا: «لا، بل هو الممثل الياباني» والحقيقة أن جاكي شان هو أشهر ممثلي الصين.

ثم تقدم الأبوان اللذان شدني مظهرهما (المتدين) الأنيق ليصحبا طفليهما إلى الخارج، وبعد أن حياهم العامل الآسيوي وأقفل الباب قال لزملائه الآسيويين: «هل رأيتم هذين الطفلين؟ على الرغم من صغر سنهما إلا أنهما مثقفان ويعرفان ممثلين أنا شخصياً لا أعرفهم» كنت أعد النقود فتوقفت عند كلمة (مثقفان) لأكتشف بأنه ضرب بكل القيم الفكرية والثقافية والإنسانية والأيديولوجية عرض الحائط و طوله، وأقرّ بأن ميراث حضارات الشعوب ونظريات المفكرين وابتكارات العلماء وأدب الأدباء وشعر الشعراء قد أكل عليه الدهر وشرب وأثبت لي بأن كل هذه الأمور أصبحت توصف بالرجعيات .

وأن مكانها هو أرفف مكتبات جامعة القرويين والأزهر أو دواليب هارفارد وأكسفورد التي تغطيها أكوام من تراب حضارة الفراعنة وابتكارات المسلمين وأبحاث الغربيين، وعلى صفحات كتبها خطوط متعرجة وغير مفهومة كخط أفلاطون وفلسفات أرسطو ومنطقه.

وعلى جبين خرائطها رسومات من ريشة صلاح الدين الأيوبي تروي أروع ما تذكر الزمن وأجمل لحظات مرت بذاكرته مثقفان لأن القيم التي كنا نتحلى بها وتعارف عليها الناس والشعوب قد طوتها أجهزة الكمبيوتر لترمي بها في سلة المهملات لتحل محلها قيم الديمقراطية والحرية، الحرية التي تمنع البنت في الولايات المتحدة من الزواج قبل سن الثامنة عشرة ولكنها تبيح لها بعض الزلات (البسيطة) في نفس الوقت، القيم التي صرنا نتعلمها من مواقع الدردشة الإلكترونية التي نرتادها حتى لا يقولوا عنا متخلفين.

لا يرفض عاقل العولمة، فأهلاً بالانفتاح السياسي الذي تعضده مجالس الشورى والبرلمانات، وسهلاً بالبنية الاقتصادية - المشتركة - التي تأخذ بأيدينا إلى صناعة السيارات والآلات والأقمار الصناعية والمنتجات المنزلية لتناطح دراهمنا وريالاتنا الين الياباني والدولار الأميركي،وكم نسعد بالتحول التكنولوجي الذي يؤهلنا لتصدير الويندوز وغزو التجارة الإلكترونية، وكم هو جميل أن نتوحد جغرافياً لنزيل تراكمات من صدأ السنين على حدودنا العربية لتحل محلها الأرض الواحدة ولكن... يبدو أنه علينا أن نلتفت إلى الوراء قليلا.

وكما قالت الحكمة: «لا بأس أن نعود خطوة إلى الوراء لنعيد النظر إلى الأمام» لننتبه إلى العولمة التي سبقت الغرب في غزونا وهي العولمة التي تأتينا من «الشرق» والتي غيرت مجريات العادات وشوهت جمال التقاليد، ليحل محلها البصق في الشوارع ورمي المخلفات في الطرقات وعدم الانتظار في الطابور المخصص، ليسود منطق «الأرباب» ويسيطر على طعامنا وشرابنا وتوجهاتنا الأستاذ «رفيق» خصوصاً وأن التركيبة السكانية باتت أكثر تعقيدا من الكروموسومات في الجينات البشرية .

لم تكن الثقافة العربية والإسلامية يوما مدعاة للغزو أو التغيير، وكم تفاخر العرب بعاداتهم وتقاليدهم وكم تفاخر المسلمون بأصالتهم ومرجعيتهم الرقراقة، ولكن ما يجري على الساحة هو حاصل جمع معادلات من التنازلات التي قدمت على طبق من ذهب لغير جهة سوى التنازلات نفسها التي حطمت قيود الحدود وألغت المعقول ليحل اللامعقول ويسود اللا مرغوب ولننسى ما كان مرغوباً، حتى إذا ما اختلط «حابل» ثفافتنا «بنابل» ثقافات يفوق عددها أيام السنة ذابت أفكارنا و توجهاتنا في فنجان شاي سريلانكي شهي النكهة.

وغير عولمة الشرق حصدنا عولمة وسط الشرق التي تطرح لنا أفكار وقيم «المستقبل» المشرقة ومسابقات «الشو» التي عجزنا حتى عن نطقها بالعربية فنطقناها بالعربلزية، وإذاعات FM التي يذكرني محتواها بمحلات «كل شيء بدرهم و درهمين» فهل ما نراه من تغيرات فكرية وثقافية على ساحة الوطن العربي أو بصفة أخص الجزيرة العربية هي أمور قد حصلت بمحض الصدفة لتجتمع كل هذه التغيرات في خلال العشرين سنة الماضية وتنسينا حتى آداب الحديث؟

قد لا نستطيع كشباب أن نغير العالم (إلى الأفضل) في ليلة وضحاها، ولكن وجود الرغبة والطموح والنظرة الموضوعية للحياة ومعرفة حاجات المستقبل ومتطلبات الواقع بدلاً من أن نغرق أنفسنا في دراسة تاريخ الديناصورات وفلسفات آنية كانت لزمانها وانتهت هي في رأيي نقطة البداية.

فلنبدأ بعولمة توجهاتنا المنطلقة من مبادئ راسخة ولندفع بأنفسنا نمخر عباب العولمة في مراكب قيمنا الأصيلة التي تملأ أشرعتها طموحاتنا التي لا تعرف الحدود... قد يكون عصر العولمة هو عصرنا نحن أصحاب القيم، ولذلك ينبغي أن لا ننتظرها حتى تأتينا ولنذهب لها بأنفسنا وكما قالت الحكمة اليابانية: «بدلاً من أن تلعن الظلام ألف مرة أوقد شمعة» وإن لم نكن نجوماً في السماء فلنكن شموعاً على الأرض حتى يذكرنا أحد.

باحث إماراتي

yasser.hareb@gmail.com