بالرغم من استمرار ظاهرة التمزق والانقسام الذي يتعمق يوماً بعد الآخر، وتآكل ما تبقى من قوة الفلسطينيين التي تستند إلى عدالة القضية، وصمودهم ومقاومتهم، إلا أن ثمة ما تبقى للرئيس محمود عباس ما يكفي لأن يواصل التحذير من عواقب فشل الاجتماع الدولي في الخريف.

أكثر من ذلك يتجرأ باسمه مستشاره نمر حماد أن يعلن قبل أربعة وعشرين ساعة من وصول وزيرة الخارجية الأميركية إلى إسرائيل «أن الرئيس لن يحضر مؤتمر السلام بشأن الشرق الأوسط المقرر عقده في نوفمبر المقبل في حال واصلت إسرائيل رفضها التفاوض بشأن اتفاق ملزم يقود إلى سلام نهائي».

قبل ذلك بأيام قليلة كانت المملكة العربية السعودية وأثناء زيارة للرئيس عباس لها قد حذرت من أنها قد لا تحضر مؤتمر الخريف في حال اتضح عدم وجود ضمانات لنجاح المؤتمر، مما يعني أن معظم الدول العربية المعنية بحضوره قد تمتنع بدورها عن الحضور، ذلك أن المؤتمر يكون قد فقد أهم مبررات انعقاده.

اللهجة التي تحدث بها الرئيس عباس والناطقون باسمه جاءت بعد ثلاثة لقاءات قمة مع رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت وبعد أن عبر الرئيس عباس عن ارتياحه للأجواء التي سادت الاجتماع الأخير بينهما.

أسباب الارتياح الفلسطيني قبل التصريحات المتشائمة تعود إلى أمرين:

الأول أن رئيس حكومة إسرائيل قدم جملة من الوعود التي بدا للجانب الفلسطيني أنها قابلة للتنفيذ مما يساعد في استعادة الثقة، ويضفي شيئاً من المصداقية إزاء النوايا الإسرائيلية. إيهود أولمرت وعد بمعالجة ملف أربعة وخمسين ألف فلسطيني دخلوا الأراضي المحتلة بتصاريح زيارة،

وأقاموا فيها منذ سنوات ولم يحصلوا على الإقامة الدائمة، كما وعد بتقديم خارطة للحواجز الإسرائيلية التي سيقوم بإزالتها، وحل مشكلة مبعدي كنيسة المهد بإعادتهم من غزة إلى بيت لحم، فضلاً عن إطلاق سراح مئة سجين فلسطيني خلال الأسبوع الأول من شهر رمضان، وقضايا أخرى.

الأمر الثاني موافقة أولمرت على تشكيل لجان للبحث في إمكانية بلورة وثيقة سياسية يتفق عليها الطرفان للمساعدة في إنجاح مؤتمر الخريف. وإذا كانت إسرائيل قد امتنعت عن تنفيذ أي من الوعود التي قطعها أولمرت على نفسه،

فإنها لم تبد اكتراثاً إزاء قضية تشكيل اللجنة السياسية، وأكثر من ذلك، تراجع أولمرت أمام محاربيه حين خفض كثيراً من سقف التوقعات إلى أنه دعاهم إلى عدم الإفراط في التفاؤل، قائلاً «إن أقصى ما يمكن أن نذهب به إلى واشنطن هو إعلان نوايا».

وفي وقت لاحق وعشية وصول وزيرة الخارجية الأميركية رايس التي تصل للمرة الثانية منذ أعلن رئيسها بوش دعوته لعقد المؤتمر الأول، بدا وكأن إسرائيل تمارس لعبة الكلمات المتقاطعة، حين أعلن أولمرت بعد توتر شديد مع سوريا التي ترفض واشنطن حضورها المؤتمر الدولي «بأنه يكن احتراماً كبيراً للرئيس الأسد، وأنه مستعد للتفاوض مع سوريا بدون شروط مسبقة».

الإسرائيليون أكثر من غيرهم يدركون مدى أهمية نجاح مؤتمر الخريف بالنسبة لإدارة الرئيس بوش، لكنهم أيضاً أكثر من يدرك كيفية التلاعب على المواقف الأميركية في ظروف ما قبل الانتخابات الرئاسية.

فبالرغم من ضعف حكومة أولمرت بسبب فشلها في العدوان على لبنان العام الماضي، إلا أنها تعرف مدى حاجة الأحزاب الأميركية المتنافسة للصوت اليهودي الذي يمتلك تأثيراً كبيراً في مجرى ونتائج الانتخابات خصوصاً الرئاسية.

إسرائيل الضعيفة تجد في إدارة الرئيس بوش، طرفاً أضعف من أن تمارس عليه حتى الحد الأدنى من الضغوطات، وهي لا تجد نفسها مضطرة لمسايرة البطة العرجاء التي تقضي آخر أوقاتها في البيت الأبيض الأميركي، ذلك أن كل ما تقدمه لصالح بوش بدون أن تحصل مقابل ذلك على أثمان كبيرة، سيكون محسوبا عليها حين تستبدل الإدارة الجمهورية بأخرى ديمقراطية.

وإذا كانت الولايات المتحدة قد أبدت تاريخياً التزاماً قوياً إزاء إسرائيل التي أعلنت أنها استعادت قدرتها الردعية بعد الحرب على لبنان، فإنها بالقدر ذاته غير مستعدة لمراعاة مصالح الدول العربية التي ستكون أكبر الخاسرين من حرب على جوارهم القريب.

من هذا المنطلق قد تكون دعوة أولمرت المفاجئة لسوريا، بعد أن انتهكت أجواءها وألقت بعض الخزانات، قد تكون الدعوة مدفوعة بالمراهنة على فصل سوريا عن إيران التي ينبغي الاستفراد بها وحصر ميدان الحرب فيها، أو ربما هكذا سيبرر المسؤول الإسرائيلي تخلفه عن دفع المفاوضات مع الجانب الفلسطيني وتقديم خدمة كبيرة لسوريا، باعتبار ذلك يخدم السياسة الأميركية.

ومثلما يمكن أن تراعي السياسة الأميركية أولوياتها في الإقليم الشرط أوسطي وأولوية تحالفها من إسرائيل، وتطنيش حتى أقرب حلفائها من العرب، فإنها أيضاً قد تتخلى عن مساعيها إزاء دفع عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين إذا وجدت أن في إلحاحها على ذلك ما يؤثر على مصالحها وتحالفاتها.

بدون شك فإن الولايات المتحدة ترغب في تحقيق توافق بين حاجتها لاستثمار النجاح في دفع عملية السلام وبين حاجتها لشن ضربات كاسحة لإيران، تورط الديمقراطيين في وقائع لا يستطيعون الفكاك منها لسنوات، وعلى هذا الأساس تواصل الخارجية الأميركية عبر زيارة رايس للمنطقة مساعيها، لكن ثمة بعض الوقت قبل أن تتضح مآلات هذا التحرك، وأولويات السياسة الأميركية.

في ضوء ذلك ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد حذر الرئيس محمود عباس، والسعودية والأردن إزاء إمكانية نجاح أو فشل مؤتمر الخريف، وهو بذلك يلقي بمسؤولية الفشل في التحضير إن وقع على الإسرائيليين، لكنه بطريقة غير مباشرة يحمل الإدارة الأميركية المسؤولية في حال امتنعت عن ممارسة الضغط لإقناع تل أبيب بالعدول عن نواياها الخبيثة.

وأخيراً يلفت النظر في هذا الاتجاه، اقتراح بريطانيا لخارطة طريق اقتصادية للمناطق الفلسطينية مما يذكرنا بتحويل المؤتمر الدولي الذي دعا إليه في لندن رئيس الوزراء البريطاني السابق مطلع عام 2003، إلى مؤتمر مماثل بدلاً من مؤتمر لتحقيق السلام في الشرق الأوسط.

كاتب فلسطيني