يمكن الجزم بأن الإدارة الأميركية قررت توجيه الضربة العسكرية إلى إيران. ويكفي شاهدا على ذلك أن يتخلى البرلمان الأميركي الذي يسيطر عليه الحزب الديمقراطي عن وضع قانون ينال من حق الرئيس الأميركي في إعلان الحرب دون استئذان الكونغرس.

وفي حقيقة الأمر فإن هذا يعني أن كلا الحزبين الأميركيين الرئيسيين أمرا الرئيس بوش بمهاجمة إيران. زد على ذلك أن مشاركين في مؤتمر عقدته لجنة العلاقات الأميركية الإسرائيلية العامة في شهر مارس الماضي، أتى في طليعتهم وزيرة الخارجية الإسرائيلية، طالبوا الحكومة الأميركية بمهاجمة إيران في الحال.

وهناك عدة أسباب تدفع الأميركيين إلى إشعال حرب غير محمودة العواقب على العالم برمته، يأتي في مقدمتها خطر انهيار النظام المالي العالمي الذي يعتمد على الدولار الأميركي، فما طرحته الحكومة الأميركية من أوراق نقدية للتداول يعادل اليوم أكثر من عشرة أضعاف الثروة القومية الأميركية.

في حين تلمح الصين واليابان وكوريا الجنوبية إلى وجوب مبادلة الأوراق النقدية الأميركية بما هو مادي ملموس. وبكلمة أخرى فإن الولايات المتحدة مدينة لباقي العالم بمبلغ هائل، ولا يمكن شطب هذه الديون إلا عندما تحدث اضطرابات مدوية في العالم.

ويتعلق السبب الثاني باحتمال أن يواجه العالم بعد 10 ـ 20 عاما نقصا حادا في النفط. ومن هنا فإن الصراع على النفط في احتدام مستمر. ثالثا إن الطغمة المالية العالمية تسعى إلى تحقيق الحلم الأميركي بالهيمنة على العالم بأي ثمن.

وهناك أسباب أخرى كرغبة الولايات المتحدة في إدامة سيطرتها على الخليج العربي أو رغبة إسرائيل في إبقاء تقدمها العسكري على إيران خاصة بعدما خسرت حربها ضد حزب الله. وإذا سارت الأمور وفقا للخطة فقد يربح الأميركيون الحرب المرتقبة ضد إيران خلال أيام أو أسابيع.

أما إذا واجه المهاجمون صعوبة ما فقد يضربون إيران بأسلحة ثقيلة. وفي هذه الحالة لن يتوانى الإيرانيون وأنصارهم ـ غالب الظن ـ عن استخدام كل ما يتوفر لديهم من أسلحة وردود أفعال قد تمتد وستمتد لتشمل ضرب المصالح الأميركية في منطقة الخليج،

وإذا حدث ذلك فسوف يصحو الناس في عالمنا ذات صباح ليروا كيف أن الكارثة الطاحنة تداهمهم وتدك بيوتهم، وكيف أن حروبا تشتعل وتهدد الأمن والسلام الدولي بدون أية مبررات واضحة. وستكون عملية القوة ضد إيران وخيمة بعواقب سياسية سلبية خطرة للغاية بالنسبة للولايات المتحدة.

إذا قرر الأميركان ضرب إيران فإن منشآت البنية التحتية الذرية ستكون الهدف بالمرتبة الأولى. وسيكون بينها أغلب الظن المركز النووي في أصفهان، لا يزال احتمال توجيه الضربة عاليا كالسابق. والنزال« الجاري بين واشنطن وطهران ليس مباراة شطرنج وإنما لعبة «من يبادر بالتراجع».

ولنتصور الوضع عندما يتراهن سائقان على قيادة سيارتيهما بسرعة عالية في مواجهة الأخرى ويخسر من يبادر بالانحراف عن المسار. وهذا شبيه جدا بما يجري بين إيران والولايات المتحدة، وعلى ما يبدو أن كلا النظامين الحاكمين في البلدين يريد الحرب لتخرجه من مآزق وأزمات داخلية وإذا لم ينحرف عن المسار أي منهما أو لم يتسن لهما وقف هذه اللعبة فإن العواقب ستكون كارثية للجميع.

الإيرانيون بدورهم لا يبدون مرونة حتى في قضية وقف العمل الذي يرتبط بتخصيب اليورانيوم بصورة مؤقتة علما بأن هذا بالنسبة لهم عمليا قضية سياسية وليست تكنولوجية. ذلك أن أجهزة الطرد المركزي التي تعمل الآن في نتانز (أو حتى إذا أوقفوها) لا تقوم بأي تخصيب صناعي لأن هناك حاجة إلى الآلاف من أجهزة الطرد المركزي لتحقيق نتيجة فعالة.

بينما عددها لدى الإيرانيين 2 ـ 3 آلاف وليس أكثر. وبالتالي فإن المهمات الطموحة المتعلقة بتخصيب اليورانيوم غير واقعية على الإطلاق في ظروف إيران الراهنة. كما إن إعلان طهران عن إمكانية الانسحاب من معاهدة منع انتشار السلاح النووي يعزز مواقف خصومها ـ الولايات المتحدة وإسرائيل ولن يزيد من حجج الدول وبينها روسيا التي تتمسك بموقف متزن ومتحفظ أكثر بشأن سبل تسوية القضية،

ومع كل إجراء جديد أو تصريح جديد وحتى إذا كان للإعلان والدعاية والتهويش أكثر مما هو عملي (على سبيل المثال حول تشغيل أجهزة طرد مركزي إضافية) يصعب على موسكو أكثر فأكثر التمسك بموقف متزن من حل هذه القضية بما في ذلك في إطار مجلس الأمن الدولي.

وكلما طالت لعبة «من يتراجع الأول» بين إيران والولايات المتحدة يكون احتمال عدم تمخضها عن منتصر أكبر. وستصبح العمليات الحربية بالنسبة للجمهوريين الذين يمثلهم الرئيس الأميركي جورج بوش كارثة لأنه من المستحيل الانتصار في هذه الحرب وبالتالي فإن احتمال فقدان الجمهوريين البيت الأبيض بعد انتخابات الرئاسة الجديدة سيكون كبيرا،

كما إن إيران لن تبقى متفرجة في حالة الهجوم ولكن من الصعب التكهن باتجاه ضربتها بالمقابل. فمن المفهوم أن الصواريخ الإيرانية لن تصل إلى الأراضي الأميركية ولكن ما هي القواعد الأميركية التي ستستهدفها؟ أو أين ستسقط الصواريخ الإيرانية في إسرائيل؟

أما طابع وأبعاد العواقب الايكولوجية من الهجوم على إيران من الجو فستتوقف على الهدف الذي ستوجه إليه الضربة بالذات وعلى قدرتها. وإذا وجهت إلى الأماكن حيث توجد مواد نووية وخاصة في الحالة الغازية فمن الممكن أن تكون العواقب خطرة للغاية. وستنطلق الكتلة المشعة في الجو وبوسع الرياح في الشرق الأوسط توجيه التيارات المهلكة إلى حلفاء الولايات المتحدة وكذلك إلى حيث ترابط القوات الأميركية.

ولا يجوز نسيان أيضا أنه بوسع إيران في ردها استخدام لا الصواريخ التقليدية فحسب بل وأسلحة الدمار الشامل ـ الكيماوية والبيولوجية. صحيح أن هذه الخطوة قليلة الاحتمال جدا ولكن قد يجري الإقدام عليها بمثابة «عملية يأس»، وخاصة إذا بدأ الأميركان العملية البرية. وهذا سيكون شبيها باصطدام سيارتين وجها لوجه.

وماذا لو ضربت الولايات المتحدة بوشهر؟ لا يمكن الوثوق بأي شيء في ظل الإدارة الأميركية الحالية. واعتقد أنه يوجد تفاهم بين روسيا والولايات المتحدة بأنه إذا أصبح ضرب إيران حتميا ليشمل المنشآت حيث من الممكن أن يتواجد مواطنون روس، فسيجري إشعار موسكو بذلك بهذه الصيغة أو تلك. وبعكس ذلك سيواجه الأميركان وضعا عندما تكون أبعاد الأزمة الإيرانية أكبر مما هي الآن بكثير.

أما عن الموقف الروسي من الضربة فإنه من الصعب تكهنه وربما سيتوقف على مدى وحجم الضربة وتداعياتها، وإن كان الأمر في النهاية لن يضع روسيا في مواجهة مع الولايات المتحدة من أجل إيران أو غيرها، فالعلاقات بين موسكو وواشنطن لم تعد تسمع بتعميق الخلافات أكثر من اللازم بينهما،

كما أن إيران ليست بالحليف القوي الموثوق فيه من روسيا، ولقد ملت روسيا كثيرا من المناورات الإيرانية في التعامل معها وبدأت موسكو تفكر بجدية في علاقاتها بطهران وإلى أي مدى ممكن لها أن تتحمل المناورات الكلامية الإيرانية.

جامعة سيبيريا