بينما تتهيأ إسرائيل الدولة للاحتفاء بالسنوية الستين لإعلان قيامها، يدور بين الإسرائيليين حديث يجمع بين الجدية والطرافة والإثارة.. فحواه أن كبار رجال الدولة قاموا بوضع حجر الأساس لملجأ ضخم في جبال القدس، سيأوي كبار القادة في حال نشوب حرب تستخدم فيها أسلحة غير تقليدية، والهدف هو«أن يكون هؤلاء القادة بمأمن حتى من هجوم نووي».
مبعث الدهشة والكوميديا السوداء في هذا الإطار أنه لا توجد دولة سوية الخلق والخلقة تستقبل مناسبة ميلادها بتدشين مشروع يتعلق باحتمال الموت.. شعوب الدولة حديثة الاستقلال التي تزعم إسرائيل الانتماء إليها زورا تتخذ من مثل هذه المناسبة مصدر إلهام لمغادرة الماضي ومرارته والتطلع على غدٍ أكثر إشراقا يقوم على البناء والارتقاء والتعويض عن أيام البؤس والشقاء.
ثم إن هذه الشعوب تستشعر أن ازدهارها وتقدمها لا يكتملان إلا بانتشار ظلال التحرر إلى غيرها من أمم هذا العالم الواحد، شديد التواصل والاتصال والاعتمادية المتبادلة.. وأن أي مظاهر للظلم والقهر والعدوان ربما امتدت بلظاها إليهم بلا استثناء، ولن تكون مجرد نيران لا تحرق غير موضعها.
إسرائيل تأبى إلا أن تتسق مع طبيعتها وتؤكد نشوزها وشذوذها من حيث النشأة ونمط الحياة والتعامل مع الآخرين.. إنها شأن الكيانات الاستعمارية الاستيطانية التي لا يسعها التفكير والحركة خارج سياق الهواجس الأمنية وتنام بنصف عين مهما مرت عليها السنون والمتغيرات.
عندما نستعرض نظرية الاستعمار الاستيطاني وخصائصه وخبراته، ربما يزول العجب من سلوك إسرائيل الراهن. غير أن السيرة الذاتية لهذه الدولة تنطوي على ما يفسر هذا السلوك.. فإسرائيل هي الدولة الوحيدة في هذا الكون التي راودتها قضية الاستحواذ على السلاح النووي منذ اليوم التالي لإعلان قيامها. لم يعرف التاريخ دولة لا يتعدى قوامها في محيطها الجغرافي والسكاني ووضعها الاستراتيجي واللوجستي قوام «حارة» وراحت تفكر في هذه القضية مثلما فعلت إسرائيل.
لقد بدأت إسرائيل أعوامها الأولى بالسعي إلى الرادع غير التقليدي، وتمكنت منه بالفعل.. ولو كان نمط التفكير والتخطيط والتنفيذ على هذا النحو مجدياً، لما كانت هذه الدولة تحفر في عامها الستين خندقاً أو ملجأ بقيها جدلاً من رادع عربي أو إقليمي مضاد!.
مؤدي مشروع الملجأ العتيد أن إسرائيل فشلت في كلمة الردع التي سبقت بها وعجلت إليها ضد الجوارين العربي الملاصق والإقليمي المجاور، وأن كل ما في الأمر هو أنها استحثت هذين الجوارين على الاضطلاع بمشروعات مضادة من النوعية والقماشة ذاتها.
أيضاً للملجأ معان تابعة أبعد غوراً.. فالمنطق وطبائع الأمور كانت تقضي بأن تمسي الدولة اليهودية بمرور الوقت أكثر أمناً واستقراراً وأرسخ قدماً للذين استقطبتهم وساقتهم لاستيطانها من جهات الدنيا.
الأصل أن يكون العام الستون مناسبة يطل فيها الزعماء الصهاينة من شرفة الدولة على مستوطنيها، رافعين شارة الظفر، معلنين خلاص اليهود واليهودية من أزمان الخوف والقلق، وكيف أن مشروعهم يجري بريح مواتية على ما زعمت أيديولوجيتهم منذ مئة عام أو يزيدون.
أين هذا المأمول من الواقع المنظور؟!. في إسرائيل اليوم قيادة تحفر في باطن الأرض بحثاً عما يدرأ عنها وعن مشروعها مخاطر ما على سطح الأرض. ذلك حصاد جنايتها في حق شعب فلسطين الأصيل وشعوب المنطقة العربية والسلم والأمن الإقليميين والدوليين.
نحن إزاء كيان تطارده لعنة تاريخه فتفسد علية الأمل في مستقبله. كيان قيل انه لخلاص اليهود، بينما ليس ثمة في عالم اليوم من قطاع يهودي تقض مضاجعه مسألة الحياة والموت، ويحيا على مدار الساعة تحت السلاح ويهرول في البر والبحر والفضاء سعيا للأمن والسكينة وراحة البال، مثلما هو حال اليهود في إسرائيل!
ترى هل تدبر قادة إسرائيل ونخبتها الصهيونية في مآلات خبر واقعة المخبأ الحصين وتوابعه على قضايا شديدة الحيوية بالنسبة لمشروعهم مثل الهجرة من الدولة وإليها؟. هل تدارسوا معاني وأصداء هذه الواقعة بين يدي دعوة يهود العالم إلى كيانهم الدولي «كملاذ آمن من غوائل الدهر وتقلب السياسات والأيام»، فيما هم أنفسهم أي هؤلاء الزعماء ينقبون الأرض أملا في الملاذ داخل هذه الدولة؟
اللافت أن بعض هذه الأصداء لم يتأخر حتى بين مستوطني إسرائيل. صحيفة يديعوت أحرونوت ذكرت في 27 أغسطس الماضي فور تطيير خبر الملجأ أن «هذا المشروع يثير منذ الآن معضلات اقتصادية وأخلاقية.. أولها من سيكونون المحظوظين الذين ستدرج أسماؤهم ضمن الأشخاص المحفوظ لهم مكاناً في الملجأ؟ وهل ستضم القائمة أبناء عائلات السادة الوزراء؟.
وكيف سيتم التصرف مع المتسللين أو من يطلبون الرأفة إذا ما وقعت الواقعة؟. ومضت الصحيفة إلى ما هو أبعد في إثارة المخاوف العامة حين أشارت إلى أن قلقاً يسود الأوساط الأمنية الإسرائيلية، بعد كشف إيران عن إنتاجها وامتلاكها قنبلة ذكية مخصصة لتدمير الأهداف البرية بدقة.
كأن خبر الملجأ والحال كذلك أدى إلى تكثيف مشاعر الوجل وعدم الاطمئنان واللا أمن عموماً في إسرائيل من حيث أراد العكس. بالطبع يستطيع الإسرائيليون، بل ويتعين عليهم، أن يسألوا زعماءهم عن حكمة مشروعهم الاستيطاني وصدقيته وصحة وعوده التاريخية في ضوء هذه المشاعر التي توارثوها لأكثر من جيل واحد.
ويحق لهم مطالبة هؤلاء القادة بكشف حساب عن موجبات وضرورات القلق المزمن الذي يصاحبهم اليوم كما صاحب أباءهم المؤسسين من قبل، ولا يبدو أنه سيتخلى عن أبنائهم من بعد. ولعرب الداخل من فلسطيني 48 بالذات أن يشاركوا في جدل الملجأ وتوابعه بحسبهم سوف يكونون الأكثر ترشيحا للاستبعاد من التفيؤ بحمايته،
ولأن إسرائيل كيان محدود الحجم جغرافيا ضعيف الزاد سكانيا ومكشوف إلى أبعد الحدود لوجستيا، فقد يصح للبعض أن يتناظروا بشأن ما إذا كان من الأجدى تحويل البلد بكامله إلى خندق ضد الأسلحة اللاتقليدية. تقديرنا أن المقام يحتمل مثل هذا الهزل الثقيل.
بل ورب مهاذر ثقيل آخر يذهب إلى أن دولة بمواصفات إسرائيل الخاصة لا تحتاج إلى خندق يقي قيادتها من وابل ذخائر غير تقليدية قد يطالها من هنا أو هناك.. لأن القيادة الناجية في حالة كهذه ستخرج بعد حين فلا تجد من تقوده وتحكمه!، ولذا فإنها الأولى بمواجهة هذا المكروه بشجاعة القادة أصحاب المشروعات الكبرى.
في كل حال هناك وصفة أنجع بكثير من آلية الاختباء والمخبأ، موجزها الالتزام بعملية سلام جادة مع الجوار بكل أطرافه وأطيافه وفقاً للشرعية الحقوقية الدولية في الحد الأدنى والشرعية التاريخية في الحد الأقصى. عندئذ سيتحول المخبأ إياه إلى مزار سياحي خلفته أيام العنصرية والغرور ومحاولة قهر الآخرين بالقوة.
كاتب وأكاديمي فلسطيني