كثيرًا ما نتحدث عن ضحالة المعلومات العامة عند أبنائنا وطلبتنا في المدارس والجامعات، على الرغم من ارتفاع درجاتهم ومعدلاتهم، وهو أمر يثير الكثير من الحيرة في النفوس. وعلى الرغم من أن الحديث عن هذا الموضوع لن يغير شيئًا من واقع نعيشه بمراراته، إلا أننا لا نملك إلا أن نواصل الحديث عنه، إلى أن نصل إلى حلّ حقيقي، من شأنه أن يُحدث تغييرًا جذريًا فيه.
إن ما نلمسه الآن من هشاشة في المعلومات العامة عند أبنائنا وبناتنا يثير الرعب حقًا، لأن ذهابهم إلى المدرسة وعودتهم منها يوميًا لمدة اثنتي عشرة سنة، ثم ذهابهم إلى الجامعة وعودتهم منها يوميًا أيضًا لمدة أربع أو خمس سنوات، وخروجهم من كل هذا دون فائدة حقيقية تتجلى في معرفة أصيلة تتكون لديهم بما تحتويه كتبهم التي قضوا معها شطرًا كبيرًا من سنيّ عمرهم لا بد أن يثير ألف سؤال وسؤال؛
فكيف يمكن للطالب أن ينتقل من صف إلى صف وهو لا يلمّ إلمامًا جيدًا بما قد درسه في الصف السابق، ولا يستطيع بعد مضيّ أسبوعين ـ على سبيل المثال ـ من انقضاء العام الدراسي الإجابة عن سؤال في أي مادة من المواد التي درسها وأدى اختبارها، وربما أخذ فيه درجة كاملة، أو شبه كاملة؟
وكيف يمكن أن يجتاز مرحلة دراسية، وينتقل إلى المرحلة التالية وهو لا يحتفظ بالأساسيات التي تضمنتها كتب المرحلة السابقة؟ وكيف يمكنه أن يضيف معلومات جديدة إلى الفراغ الذي يضمه بين جنبيْه؟.. ثم كيف يمكن أن يجتاز طالب كل الامتحانات بنجاح، وهو لا يستطيع أن يكتب جملة واحدة صحيحة وسليمة لغويًا؟
هل يُعقل أن ينجح جميع الطلاب في المراحل الدراسية الأولى، على الرغم من التباين الشديد في مستوى تحصيلهم؟ هل جميع طلابنا هم أبناء وادي عبقر حتى ينتقلوا بسلاسة من صف إلى آخر دون تمييز بين الذين يعلمون منهم والذين لا يعلمون؟
في العام الماضي، أقيمت مسابقة ثقافية خاصة بطالبات الجامعة، بهدف إنعاش معلوماتهن الثقافية، ـ أو بالأصح لقياس المعلومات الحقيقية لهن ـ في بعض المواضيع والمواد التي تتناول اللغة العربية من جوانبها المختلفة، أدبًا ونقدًا ونحوًا وعروضًا وبلاغة، فكشفت هذه المسابقة أن الطالبات لا يفقهن في لغتهنّ شيئًا، ولا يعرفن قطرة من بحرها، ولا يأبهن بذلك، بما أنهن يحصلن على أعلى التقديرات دون أن يبذلن مجهودًا يُذكر.
ولو شئت أن أضرب أمثلة من تلك المسابقة توضح المستوى الثقافي الحقيقي للطالبة الجامعية عندنا لعجزت عن أن أفاضل بين الخيارات المتاحة أمامي؛ فكل خيار منها يكشف زيفنا وخيانتنا لضمائرنا، كما يكشف إهمالنا في تعليم أبنائنا، ابتداء من المراحل الدراسية الأولى في الروضة والابتدائية، وصولا إلى أعلى الدرجات الجامعية.
لقد اتضح في هذه المسابقة وجود طالبات متخصصات في دراسة اللغة العربية وآدابها لا يعرفن كيفية البحث عن كلمة (حصد) في «لسان العرب». هذا ما كشفت عنه تلك المسابقة «الثقافية»، إذ استطاعت ست عشرة طالبة فقط التوصل إلى الإجابة الصحيحة من بين حوالي أربعين طالبة! ولعلي إن سألتهن عن واضع هذا المعجم اللغوي لن أسمع إلا صدى صوتي. هذا مثال واحد، وما خفي كان أعظم وأكثر مرارة.
ومن الأمثلة «الصاعقة» التي ظهرت في تلك المسابقة أن طالبات وصلن إلى المرحلة الجامعية وهن لا يميزن بين الاسم والفعل؟ ولا يستطعن التفرقة بين خبر كان والتمييز أو الحال، على الرغم من أن هذه الأمور من البديهيات اللغوية التي لا تحتاج إلى فائض من ذكاء أو عبقرية كي تُفهَم! وليس الحال عند الطلبة (الذكور) بأفضل مما هو عليه عند الطالبات، فقد اكتشفت ـ بطريق الصدفة ـ أن ما يزيد على عشرة طلاب جامعيين لا يعرفون من هو صاحب «البخلاء».
ولكنهم يعرفون أن الذي كتب «البخلاء» هو نفسه الذي كتب «الحيوان»، ويقول أحدهم هذا الكلام بطريقة توحي بأنه يشعر بقدر من فخر لا يخفى لأنه يعرف هذه المعلومة، في حين لا يشعر بأي حرج وهو يعلن صراحة أنه لا يعرف اسم المؤلف!. هل يستطيع القارئ أن يتصور أن طالبًا وصل إلى المرحلة الجامعية وهو لا يعرف الجاحظ، أو لم يسمع عنه؟
إنني أرى هؤلاء الطلبة والطالبات الذين أقوم بتدريسهم وتدريسهن على مقاعد الجامعة حين كانوا صغارًا من خلال نموذج حيّ أراه أسبوعيًا، وهو ابن أخي الذي انتقل من الصف الأول الابتدائي إلى الصف الثاني الابتدائي وهو لا يعرف شيئًا في أي مادة من مواده؛ فهو ضعيف في كل المواد، ولا يكاد يجيب عن أي سؤال يوَجَّه إليه في أي درس، على الرغم من ذكائه الحادّ، ولكنه للأسف ذكاء دون توجيه، ودون تنمية واستثمار له من قِبَل النظام التعليمي الذي يسوده الإهمال واللا مبالاة، وهذا لا يلغي بالطبع مسؤولية أهله وتقصيرهم في واجبهم تجاهه.
إن هذا الطفل الصغير الذي يجب أن يجيد قراءة بعض الكلمات -على الأقل التي مرّت عليه في الصف الأول الابتدائي ـ لا يمكنه قراءة أي كلمة غير اسمه، كما أن خطّه أقرب إلى الخطوط الطويلة الموصولة ببعضها على نحو غريب، لا تشبه أي حرف من حروف العربية، ولا يمكنه هو بنفسه أن يعيد قراءة ما كتب بعد يوم أو يومين، لأنه خط لا ملامح له.
سيكبر ابن أخي وسينتقل من صف إلى آخر حتى إن لم يطرأ أي تحسن على مستواه الدراسي، وربما ينال مستقبلا درجات أعلى مما حصّله حتى الآن في الصف الابتدائي الأول، وسيعيش الإحساس بالرضا، وسيذوق لذة السعادة التي تترتب على النجاح والحصول على درجات عالية مع بذل قليل من الجهد فقط، وأحيانًا.. دون بذل أي جهد.
وسيصل ابن أخي إلى الجامعة، ويدخلها مرفوع الرأس، لأن الوثائق المدرسية التي سيحملها آنذاك، والتي تشهد جميعها بأنه متفوق، أو متفوق جدا ربما!، تجبره على أن يعيش ذلك الدور بقناعة تامة بأنه بالفعل كذلك، وأنه يستحق معاملة خاصة من أساتذته، لأنه قد اعتاد الحصول على الدرجات العالية بذكائه فقط! دون دراسة، وهو يريد أن يستمر في القيام بهذا، لتدور الدائرة من جديد.
ونجد أنفسنا نقوم بتدريس طلاب وطالبات لا يعرفون شيئا، وهم يظنون أنهم يعرفون كل شيء، ويظنون في الوقت نفسه أنهم عباقرة زمانهم، وأن زمانهم لم يجد بأفضل منهم، وأن كل واحد منهم لا يستحق إلا تقدير «امتياز»، أما عدا ذلك فهو ظلم وهضم للحقوق.
وبعد كل هذا، ألا يبدو الأمر خطيرًا؟ وألا يستحق منا أن نوليه اهتمامًا شديدًا؟ فإذا كنا نبني آمالنا على هؤلاء الأطفال والشباب، ونريد أن نعدهم ليكونوا أعضاء فاعلين في مجتمعاتهم في السنوات المقبلة، فكيف يمكن أن نأتمن على مجتمعنا أشخاصًا لا تتوافر لديهم المعلومات الأساسية، وقد انتقلوا من مرحلة تعليمية إلى أخرى «بقدرة قادر»، وإذا نقّبت في داخلهم لما وجدتَ شيئًا.
ليس الموضوع موضوع «لسان العرب»، ولا «الجاحظ»، ولا غير ذلك، فالفكرة الأساسية هي وجود خواء معلوماتي من جهة، وتوزيع للدرجات بمجانية من جهة أخرى، مما يعزز لدى الطلبة الثقة في إمكانية النجاح والوصول إلى أعلى المراكز دون جهد حقيقي.
ولأن من شبّ على شيء شاب عليه، فإنه لا يمكن لطالب اعتاد النجاح «بقدرة قادر» على مدى سنوات طويلة أن يجبر نفسه على الالتزام بالدراسة ومتطلباتها حتى إن التحق بأفضل الجامعات العالمية، ولا بد أن يجد لنفسه سبيلا يقوم من خلاله بممارسة دوره المعتاد، لكي يحصل في النهاية على الشهادة المطلوبة، دون كثير جهد،.. لأنه من وادي عبقر!
جامعة الامارات