هذا السؤال بالتحديد هو المطروح على الساحة في روسيا الآن، وما يلح في طرحه أن الرئيس بوتين سيترك الحكم في مارس المقبل وليس له حق الترشيح لمرة ثالثة حسب الدستور، بينما الأصوات تعلو في روسيا تطالب ببقائه لحاجة البلد لوجوده في الحكم فترة أخرى،
البرلمان الروسي وافق مبدئياً وبأغلبية ساحقة على إجراء تعديل للدستور يمنح بوتين حق الترشيح لمرة ثالثة أو بحد أدنى يمد فترة الرئاسة الحالية لسبع سنوات بدلاً من أربعة، ولم يعوق الأمر سوى بوتين نفسه الذي رفض أن يعدل الدستور من أجله، ورفض أيضاً أن يكون أمن واستقرار روسيا مرهوناً بشخص واحد.
مؤسسة «ليفادا سنتر» لاستطلاعات الرأي مؤسسة أوروبية أجرت استطلاعها في مطلع سبتمبر الجاري في 46 مدينة روسية كشف عن أن 77% من المستطلعين يطالبون ببقاء بوتين في الحكم.
الزعيم الليبرالي فلاديمير جيرنوفسكي الذي كان ألد خصوم الرئيس السابق يلتسين وكاد ينافسه في انتخابات الرئاسة عام 1993 وأصبح من أشد المؤيدين لبوتين ونهجه، يقول جيرنوفسكي «لماذا نفضل التمسك بنص الدستور على مصلحة أمتنا وشعبنا؟ ألسنا نحن الذين نصنع الدستور ليوافق مصالحنا وأهدافنا أم أننا نصنعه ليحكمنا ويحول دون مصالحنا»؟
الزعيم السوفييتي السابق جورباتشوف الذي كان أحد المعارضين لبوتين في بداية حكمه ثم انقلب مؤيداً متحمساً له يقول «الدستور ليس فوق الأمة بل العكس، وعلينا ألا نخشى انتقادات الآخرين لنا بأننا عدلنا دستورنا، نحن أدرى من الآخرين بمصالحنا» ويقول جورباتشوف «إذا كنا نعلم جيداً أن بوتين هو الرجل الأكفأ للقيادة وهو الضمان الأول لاستقرار البلاد واستمرار التنمية وهو مازال شاباً وقوياً وبصحة ممتازة فلماذا يذهب ونحتار في اختيار خليفة له؟ هل نخاطر بأمننا واستقرارنا من أجل نص دستوري نحن الذين وضعناه وسوف نغيره آجلاً أو عاجلاً؟».
إنها فعلاً معضلة كبيرة يواجهها الشعب الروسي، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هناك ليس هو «من سيخلف بوتين في الحكم ؟» بل هو «أين سيذهب بوتين في العام المقبل؟».
في الغرب يهاجمون بوتين وينتقدون سياساته ويصفونه بأنه نموذج للحكم الستاليني الشمولي وأنه يغزي النزعة الإمبراطورية لدى الشعب الروسي ويؤجج الروح القومية لديهم، وهذا ما كتبته بالأمس القريب صحيفة ديللي تليجراف البريطانية،
ولكن على ما يبدو أن القاعدة في روسيا أنه كلما كان الحاكم الروسي منتقداً ومهاجماً بشدة من قبل الغرب كلما زاد هذا من شعبيته وتمسك الشعب به داخل روسيا، ويذكرنا هذا بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر وهو يقول للصحافيين «إنني أشعر بالقلق كلما توقفت صحف الغرب عن انتقادي والهجوم عليّ وأشعر أن هناك شيئاً ما خطأ في عملي».
وكذلك يقول جورباتشوف للشعب الروسي الآن «لا تصدقوا الغرب فيما يقوله عن بوتين، لقد كانوا يصفقون ويهللون للرئيس يلتسين ويشيدون به بينما كان كل شيء في روسيا ينهار على يديه، والآن يهاجمون بوتين لأن الاقتصاد ينمو معه وروسيا تنهض وتستعيد أمجادها وهيبتها معه، ويحذرونا في الغرب من المساس بالدستور وتعديله من أجل بقاء بوتين ولو كان يلتسين مكانه لكانوا هم في الغرب أول المطالبين بتعديل الدستور».
في الغرب يقولون ان التمسك ببوتين شكل من أشكال عبادة الفرد التي رسختها الحقبة الستالينية، والروس يقولون ان بوتين ليس نموذج الحاكم الفرد بل نموذج الحاكم الناجح صاحب الانجازات الكبيرة. المعارضة الروسية في حيرة من أمرها ولا تجد لديها مرشحاً واحداً للمنافسة على الرئاسة أمام المرشح الذي سيعده بوتين نفسه لخلافته.
بوتين يرفض بشدة تعديل الدستور ويصمم على ترك مقعد الرئاسة، والشعب كما يقول البعض هناك أصبح يكره الدستور ويمقته ويريد حرقه لأنه يحول دون مصلحته التي يري أنها في بقاء بوتين في الحكم، وفي انتظار مطلع العام المقبل لنرى إلى أي مدى ستصل الأمور على الساحة السياسية في روسيا.