حينما انتهكت المقاتلات الإسرائيلية أجواء سوريا قبل عشرة أيام كان الانطباع الأول أن تل أبيب تختبر الدفاعات الجوية السورية، وذلك بعد تقارير استخبارية تفيد حصول سوريا على أسلحة جديدة من روسيا حينا ومن كوريا الشمالية حينا آخر، لا تجعلها لقمة سائغة في حال حدوث أي منازلة جديدة مع إسرائيل.

وأربك الحسابات الإسرائيلية أن دمشق بادرت هذه المرة بالإعلان عن انتهاك الأجواء، على عكس ما حدث في مرتين خلال السنوات القليلة الماضية حلقت المقاتلات الإسرائيلية في إحداها فوق قصر الرئيس السوري.

فالتزم المسؤولون الإسرائيليون الصمت، وبدأوا يسربون عبر وسائل إعلامهم ووسائل الإعلام الأميركية المقربة منهم أقاويل يغلب عليها التناقض، فمن ادعاء أن إسرائيل استهدفت قافلة أسلحة كانت متجهة لحزب الله (قرب الحدود مع تركيا وليس مع لبنان) إلى القول بأن الهجوم استهدف تجربة التشويش على رادارات حديثة حصلت عليها سوريا من روسيا مؤخرا، وإسكات هذه الرادارات الكترونيا، إلى ادعاء أن الاختراق استهدف منشأة مصنفة على أنها مركز أبحاث زراعية على نهر الفرات شمال سوريا، تستخدمها سوريا من أجل استخراج اليورانيوم من الفوسفات، وذلك بمعاونة خبراء من كوريا الشمالية.

وشيئا فشيئا بدأت هذه التسريبات تتحول إلى حملة يشارك فيها جون بولتون، مندوب اميركا السابق لدى الأمم المتحدة، وهو يميني كريه تدحرجت رأسه ضمن رؤوس عدد من المحافظين الجدد أطيح بهم خارج الحلبة في العام الأخير، كما يشارك فيها خبراء أميركيون في شؤون الشرق الأوسط لا تعلن اسماؤهم (وهي إشارة تقليدية لمصادر استخباراتية).

وليس الهدف هذه المرة هو التغطية على انتهاك إسرائيل لأجواء سوريا، وإنما نسج أميركي - إسرائيلي مشترك لسلسلة أكاذيب جديدة (على نمط جبل الأكاذيب الخاص بحيازة العراق لأسلحة نووية وكيماوية وبيولوجية).. وذلك لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد.

الأول : تسريب انطباع للجمهور الأميركي الذي تغلب عليه السذاجة، أن الانسحاب من العراق كما يريد الديمقراطيون، سيتسبب في أذى كبير للمصالح الأميركية، إذ إن استمرار الوجود العسكري في العراق ليس مفيدا فقط في منازلة تنظيم القاعدة (على حد ادعائهم) وانما في احتواء سوريا وايران المتطلعتين في هذه الحالة إلى امتلاك أسلحة نووية بمعاونة كوريا الشمالية (الشيطان الثالث الذي تم التصالح معه).

الثاني : ممارسة ضغوط على سوريا، وايصال رسالة إلى نظام الرئيس بشار الأسد مفادها أنه ما لم يوقع معاهدة سلام مع إسرائيل ويعلن تخليه عن حماس وحزب الله، فإنه سيظل داخل دائرة التهديد، وذلك مهما أبدى من مرونة وقدم ما يفيد حسن النية في ملفات أخرى.

ومن ثم فإن على دمشق أن تؤهل نفسها لحضور مؤتمر الخريف المقبل متسلحة بما يمكن أن تقدمه من تنازلات بشأن الجولان لتهدئة مخاوف إسرائيل. وربما لوح البعض بالصيغة التي أثبتت نجاحا في سيناء المصرية باعتبارها نموذجا يمكن اتباعه.

الثالث : إفهام دمشق أن كل تحركاتها مرصودة من قبل أجهزة المخابرات الأميركية والإسرائيلية، وأن كل محاولاتها الحصول على أسلحة جديدة محض عبث، وأن المخرج الوحيد هو الجلوس على طاولة أميركية لايجاد حلول تلائم الطرف الأميركي وتحقق شروطه.

ومثلما يرى الطرفان الأميركي والإسرائيلي أن الخصومة بين فتح وحماس والجفوة بين غزة والضفة فرصة (محظور) إهدارها، فإنهم يرون أيضا أن فتور علاقات دمشق ـ القاهرة، والتلاسن ما بين دمشق والرياض، وحالة الانقسام العربي غير المسبوقة، تمثل فرصة للحصول من سوريا على ما تريده تل أبيب.

magdishendi@hotmail.com