مع امتلاء موائدنا الرمضانية بما لذ وطاب وبما يفيض عن حاجة النفس البشرية، وحاجة المعدة الصغيرة التي تصاب بالتخمة مع بداية أول لقمة دسمة مع الإفطار، ومع ما يذهب إلى مكب النفايات نعيد في مخيلتنا مشاهدات الفقر المدقع التي تمتلئ بها شوارع الأمم المنكوبة.
وبخاصة تلك التي تعيش تحت وطأة الجوع المستمر الذي يتأصل في جذورها وينشأ ما يعرف بأطفال الشوارع الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ولا يجدون اللقمة التي يمكن أن تسد جوعهم في مجتمع لا يعترف بالتكافل الاجتماعي أو حتى يحض عليه.
ففي بلدان جنوب شرقي أوروبا لا يزال يعيش نحو 18 مليون طفل في فقر مدقع معظمهم من الكتلة السوفييتية السابقة، ورغم أن الانتعاش الاقتصادي الذي شهدته هذه المنطقة قد أدى إلى شيء من التحسن في الأوضاع بالنسبة لمعظم البالغين، إلا أن العديد من الأطفال لا يلقون فوائد مماثلة بل إن واحداً من بين كل أربعة أطفال في المنطقة يعيش في أسرة ذات دخل يومي يقل عن 15 ,2 دولار. فالكثير منهم محروم من مياه الشرب النقية أو من التعليم أو التغذية الجيدة.
وعلى مقربة منا يعيش إخواننا العرب في الأراضي الفلسطينية على حافة الجوع وذلك نتيجة تدهور الأوضاع وحذر أرنولد فيركين المدير القطري لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة «إننا نشهد أعداداً متزايدة من الفقراء الفلسطينيين الذين يجري دفعهم إلى الحافة وهناك عائلات عديدة اضطرت إلى تقليص عدد وجباتها إلى وجبة واحدة في اليوم».
ووفقا لدراسة أجراها البرنامج ومنظمة الأغذية والزراعة مؤخراً، فقد زاد معدل انعدام الأمن الغذائي ـ والخاص بقياس القدرة الفعلية والاقتصادية للأفراد للحصول على ما يكفيهم من الغذاء ـ في الأراضي الفلسطينية المحتلة بنسبة 14% من السكان منذ العام الماضي. مما يعني أن ما يقرب من مليوني فلسطيني يمثلون 51% من مجموع السكان فقط يمكنهم تلبية احتياجاتهم اليومية من الغذاء دون مساعدة.
ومن نتائج الفقر المدقع الذي يخيم على الأسر والعائلات العربية تم رصد 81 حالة بيع كلى في الأردن، وأنّ أغلبيّة حالات استئصال الأعضاء كانت قد تمّت خارج الأردن بما نسبته 9. 67% في العراق و5. 13% في مصر وبحسب ما ورد في بلاغ الأجهزة الأمنيّة أنّ بائعي كلاهم في الأردن هم من «الشباب الذكور» وأنّ منهم «55 تقل أعمارهم عن 31 سنة، فيما 9 ,46% منهم من المتزوجين.
كما أنّ نحو 60% من بائعي كلاهم أنهوا المرحلة الإعدادية من التعليم، وأن 2, 43% منهم ينتمون لأسر فقيرة فقراً مدقعاً، كما أنّ معظمهم من قاطني مخيّم البقعة.
ولعل من المناسب أن نضع أيدينا على الجرح مباشرة بخاصة عند رصد بعض الظواهر الاجتماعية التي تفشت واستفحلت نتيجة الفقر المدقع، ورغم ثقل هذه الحقائق على البعض الذي يعتبرها عارية عن الصحة فقد كشف تقرير إخباري عن دهم الشرطة اليمنية زهاء 80 منزلاً بتهم ممارسة الدعارة في العاصمة صنعاء العام الماضي.
مؤكداً أن زيادة انتشار تجارة الدعارة يعود إلى الفقر المدقع في البلاد، كما شددت دراسة ميدانية حول «تجارة الجنس في اليمن» على ضرورة معالجة أوضاع النساء المحتمل سقوطهن في هاوية الدعارة والبغاء، منتقدة قصور برنامج الضمان الاجتماعي الحكومي الذي لا يشمل النساء الأشد فقراً لوقايتهن من الانزلاق إلى الدعارة والتشرد والتسول.
ومنذ شهور قليلة عرضت قناة «العربية» الفضائية تقريرين مصورين عن الفقر في السعودية رصدت مشاهد مؤلمة لفقراء السعودية لمجموعة من البشر تعيش في بيوت من الصفيح، تخشى على نفسها الوحوش البرية، لا تجد قوت يومها، ولا يتوفر لها الحد الأدنى من الخدمات، أي أنه يمكن إدراج هؤلاء ضمن التصنيف العالمي للفقر المدقع الذي يقصد به (خط فقر الغذاء).
وفي تحذير جديد من تفاقم الأزمة الإنسانية في العراق، أكد تقرير لمؤسسة أوكسفام الدولية للإغاثة، بالتعاون مع مجموعة من المنظمات الأهلية العراقية، أن نحو ثمانية ملايين عراقي ـ أي ثلث شعب العراق ـ في حاجة عاجلة لمساعدات إنسانية طارئة.
مشيراً إلى أن الأطفال العراقيين هم الأكثر تضرراً من تفشي الجوع والمرض الناجمين عن تصاعد أعمال العنف بشكل مطرد في مختلف أنحاء البلاد، وأوضح التقرير أن 28% من الأطفال العراقيين يعانون سوء التغذية، في حين أن 15% من العراقيين لا يملكون من الطعام ما يكفي قوت يومهم، بينما لا يحصل نحو70% على مياه شرب نظيفة.
أما في مصر فقد أشارت تقارير للأمم المتحدة حول التنمية الإدارية إلى وجود 2 ,5 ملايين مصري يعيشون في فقر مدقع، وانخفض دخل 1, 3% من المصريين عن 100 جنيه شهريا.
وقالت التقارير إن 30% من أطفال الفقراء يعانون من التقزم خاصة في الريف و54% يعانون من الأنيميا، وكشف تقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن 12 مليون مصري يعيشون في العراء بلا مأوى، وأوضح التقرير أن هؤلاء يعيشون في المقابر والعشش والجراجات والمساجد وتحت السلالم.
ومع التوغل عميقاً في ظاهرة الفقر المدقع سنجد أن لكل دولة من الدول العربية نصيباً من هذه الشريحة التي تحيا على التسول، وتدفع الثمن غاليا نتيجة الفساد وسوء الإدارة وغياب العدالة الاجتماعية وبروز نظام الطبقية الحاد، وإذا انسحبت الحقائق المفزعة عن معدلات الفقر في كثير من الدول فإن التساؤل الذي يفرض نفسه متى يبدأ مشروع محاسبة القوى التي تسقط من حساباتها مشروعية الحياة بكل ما تعني هذه الكلمة لمواطنيها الذين تخطوا خط الفقر ووصلوا إلى القاع.
وإذا كان من المفارقات أن أغنياء أميركا يلقون في براميل القمامة ما يقارب مئة مليار طن سنويا من الأغذية الفائضة عن حاجتهم، والتي يمكن لهذه الكميات الكبيرة من الأغذية التي يتم هدرها أن تغطي ليس حاجة فقراء أميركا فقط بل أيضا يمكن أن تغطي جزءاً من حاجة 800 مليون جائع في العالم، فكم تهدر الأمة الإسلامية في هذا الشهر الفضيل وهل نقبل التحدي بخاصة وان أغنياء الأمة لا يعترفون باليسير.
يبقى أن الفقر المدقع هو الرجل الذي لم يستطع أن يقتله احد.
كاتبة إماراتية