بالرغم من الجدل الطويل الذي لا يتوقف بين الفلسطينيين بشأن الآثار السلبية أو الإيجابية الناجمة عن استمرار إدخال الصواريخ محلية الصنع على خط المقاومة حتى أصبحت الشكل الوحيد تقريباً والميسور للتعامل مع الاحتلال الذي خرج من قطاع غزة في سبتمبر 2005، ليتحكم فيها من خارجها، إلا أنها واقعياً لا تزال العنصر الأكثر فعالية في النشاط ضد الاعتداءات الإسرائيلية التي لا تتوقف.
فخلال سنوات استخدامها، لم تتجاوز آثارها الفعلية حدود إزعاج سكان بعض البلدات الإسرائيلية القريبة من قطاع غزة خصوصاً بلدة سديروت، فضلاً عما تنطوي عليه مبدئياً من مخاطر مستقبلية في حال استمر الفلسطينيين في تطوير مدياتها وقدراتها التفجيرية، ذلك أن مجموع من أصيب بفعل هذه الصواريخ منذ استخدامها لا يصل إلى العدد الذي حققه إطلاق صاروخين فجر الثلاثاء الماضي الحادي عشر من الجاري.
تعرف الدوائر الإسرائيلية أكثر من سواها، أن الصاروخين الذين أطلقتهما مجموعة من سرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي تحت اسم عملية «فجر الانتصار»، ليسا سوى تلك الصواريخ التي تسقط يومياً على بلدات إسرائيلية، لكن الحظ ساقها هذه المرة إلى معسكر «زيكيم» للجيش الإسرائيلي جنوب مدينة عسقلان، وأصابت تسعة وستين جندياً معظمهم أصيب بالهلع.
المعنى هو أن الصواريخ التي سقطت فوق معسكر «زيكيم»، ليست نوعاً جديداً من الصواريخ عظيمة القدرة، وإلا لكانت أوقعت عدداً أكبر من القتلى والجرحى الأمر الذي يبطل مفعول الدعاية الإسرائيلية التي تعمل على تضخيم المخاطر الناجمة عن استخدام وتطوير هذه الصواريخ التي لا تحظى بأدنى خطورة قياساً بأبسط أنواع الصواريخ التي تسقط فوق رؤوس الفلسطينيين كل الوقت.
على أن الصواريخ التي سقطت فوق معسكر «زيكيم» تعمل في اتجاهين: الاتجاه الأول بكونها تتزامن مع لقاء القمة في القدس بين الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية، والذي أعرب الرئيس عباس عن ارتياحه لنتائجه بما قد يشير إلى إمكانية الحديث عن تفاؤل إزاء التحضيرات الجارية لإنجاح الاجتماع الدولي في خريف الرئيس جورش بوش.
الدكتور صائب عريقات رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير لخص نتائج القمة خلال مؤتمر صحفي عقب الاجتماع، بالحديث عن جانبين يتصل الأول بوعود تلقاها الوفد الفلسطيني بشأن تحريك ومعالجة بعض القضايا مثل الإفراج عن أسرى، تخفيف حواجز، حل مشكلة أربعة وخمسين ألف مواطن بدون إقامات دائمة، معالجة موضوع مبعدي كنيسة المهد وقضايا أخرى، ويتصل الثاني بتشكيل لجان مشتركة لتطوير أفكار في الجانب التفاوضي السياسي.
يذكرنا إطلاق الصواريخ على «زيكيم» بما درجت عليه حتى وقوع الانتخابات التشريعية مطلع العام الماضي، حين كانت حركتي حماس أو الجهاد ولأسباب سياسية تتعمدان إطلاق صواريخ أو القيام بعمليات عسكرية لتخريب جهد سياسي أو مبادرة يقوم بها أو يتعاطى معها الرئيس الراحل ياسر عرفات. وفي حين غادرت حماس هذا الفعل، بعد سيطرتها على قطاع غزة حتى لا تجر عليها ردود فعل إسرائيلية غاضبة فإن حركة الجهاد الإسلامي التي لا طموحات سياسية أو سلطوية لها، تواصل العمل وفق المبدأ ذاته.
أما الاتجاه الثاني فيذهب بالصواريخ إلى الوضع الداخلي، حيث أن حركة الجهاد الإسلامي التي تحرص على عدم الانخراط في الصراع الداخلي، تلح على ضرورة تصحيح الأوضاع نحو توحيد وتصويب الجهد الفلسطيني في اتجاه الصراع الرئيسي مع الاحتلال، ولذلك فإنها لا تدخر وسعاً في تجاوز الكثير من الموانع لمواصلة إطلاق الصواريخ حتى لو أدى ذلك إلى تأجيج الصراع مع المحتل، فذلك أرحم وأدعى من أن يواصل الفلسطينيون صراعهم الداخلي واستنزاف طاقاتهم في الاتجاه الخاطئ.
على نحو معاكس تتصرف إسرائيل التي استدعت مجلسها الأمني المصغر على عجل وفي غير موعده، لتحديد الرد على الصواريخ التي ولدت ردود فعل داخلية صعبة، سواء من قبل الوزراء والتحالف الحاكم، أو من قبل المعارضة، أو أهالي الجنود الذين طالبوا بإرجاع أبنائهم إلى البيوت، الأمر الذي لا تحتمل معه حكومة أولمرت إمكانية التسامح مع هذه العملية.
إسرائيل التي تحضر جيشها لارتكاب عدوان واسع وشديد على قطاع غزة على غرار خطة السور الواقي وتحت اسم «جباية الثمن»، أجلت توقيت القيام بتلك العملية ارتباطاً بتطورات الوضع الداخلي الفلسطيني. المنطق الإسرائيلي يقول: «لماذا علينا أن نتدخل طالما أن الفلسطينيين منقسمين ويخوضون صراعاً مريراً فيما بينهم يضعف الجميع، ويعفي إسرائيل من دفع فاتورة ردع المقاومة الفلسطينية».
على هذا كان يمكن لإسرائيل أن تقوم بعدوانها الواسع في حال توفر أحد عاملين: الأول فيما لو أن الفلسطينيين نجحوا في تهدئة جبهتهم الداخلية، فحينذاك ستدخل إسرائيل على الخط لتعاقب الجميع، ولتعميق حالة الانقسام الحاصل، وتضمن استمرار الصراع بين حركتي حماس وفتح. الثاني، فيما لو زادت حدة الصراع الفلسطيني الداخلي إلى حدود تستطيع إسرائيل معها التدخل لضبط استخدام القوة على خلفية التدخل الإنساني والأخلاقي بما يمكن إسرائيل من غسل يدها من الدم الفلسطيني.
رد فعل الحكومة الإسرائيلية على الصواريخ التي سقطت فوق معسكر «زيكيم» لم يخرج عن هذا السياق، فبدعوى حرص كاذب على عدم تخريب جهود السلام، يجري الحديث عن معاقبة الفلسطينيين في غزة من خلال قطع التيار الكهربي والمياه، وتقنين إدخال الوقود، بالإضافة إلى مواصلة عمليات اغتيال الكوادر والنشطاء وربما ممارسة بعض التوغلات على الحدود الشرقية والشمالية لقطاع غزة.
هذا «الكرم» الإسرائيلي محسوب بدقة وهو مضبوط على وقع سياسة. إسرائيل تحاول كل الوقت تعميق ظاهرة الانقسام والصراع الفلسطيني الفلسطيني، وإضعاف الموقف الفلسطيني في مؤتمر الخريف المقبل، وفي الوقت ذاته مواصلة العدوان وفق معدلات معينة يطيح بكل القدرة الفلسطينية على المقاومة أياً كان مصدرها، ذلك أن حكومة أولمرت رغم ضعفها إلا أنها بكل المقاييس أكثر قوة مما يمتلكه الرئيس عباس وحكومته في ظل الواقع الفلسطيني السييء والمؤلم.
ويبدو أن طريقة ومستوى التعامل الإسرائيلي العنيف مع الوضع الفلسطيني محكوم أيضاً لتطورات الوضع المتأزم على الصعيد الإقليمي، سواء ما يتصل بالأطراف المؤهلة لحضور الاجتماع الدولي في الخريف ونقصد سوريا ولبنان، أو ما يتصل بتصاعد لهجة التهديد الأميركي لإيران، في محاولة لإنقاذ السياسة الأميركية المتعثرة في العراق والمنطقة عموماً.
وربما لهذا السبب سارعت الإدارة الأميركية بعد إطلاق الصواريخ على «زيكيم» إلى الطلب من الحكومة الإسرائيلية بضبط النفس، حتى لا تؤثر عملية عسكرية واسعة على جهودها التحضيرية لإنجاح اجتماع الخريف الذي تعول عليه إدارة بوش، لاستمالة مواقف ودعم معظم الدول العربية لسياستها في العراق.
كاتب فلسطيني