فريق متخصص في بحوث الصحراء ودراسات استخدام المياه. يتألف من 200 خبير ينتمون إلى 25 دولة، عكف هذا الفريق الرفيع المستوى من الاختصاصيين الدوليين تحت لواء جامعة الأمم المتحدة (مقرها في طوكيو) على دراسة أحوال الموارد المائية المتاحة لسكان العالم، ما بين غزارة هطول الأمطار الواعدة بتدفق كميات المياه اللازمة لاستمرار الحياة كما عرفها الناس على مر تاريخ الحضارات إلى ظاهر الجفاف والتصحر التي باتت تهدد أصقاعا شتى من شرق الكرة الأرضية وغربها.
وبعد الدراسات الطويلة أصدر الفريق البحثي تقريرا دوليا يحذر فيه من أن ثلث مساحة الكرة الأرضية معرّض في المدى الزمني القريب للإصابة بآفة التصحر بسبب تضاؤل ومن ثم ندرة الإمدادات المائية. ولذلك فإن هذه المساحات الشاسعة المعرضة للزحف الصحراوي، كما قد نسميه، يمكن أن تعرض بدورها للخطر الجسيم أسلوب الحياة لسكانها الذين يقارب عددهم نحو ملياري إنسان.
وفي إطار ظاهرة العولمة التي تقلصت معها الفواصل بين المسافات والثقافات والاهتمامات بفضل التقدم المذهل في ميديا الإعلام وسبل الاتصال الفضائية، يصبح العالم معرضا لظواهر نزوح وهجرات ومن ثم زيادة أعداد البشر من اللاجئين والنازحين المشردين داخليا بما ينطوي عليه ذلك من تحميل متزايد على طاقة المنظمّة الدولية وخاصة في مجالات الإغاثة والاستيعاب.
فضلا عما يسببه مثل هذا الوضع من استشراء تيارات تهدد بزعزعة الاستقرار السياسي وانعدام الأمن وانتشار الجرائم عبر الوطنية ـ بمعنى العابرة للحدود، وتفشي نزعة العنف الذي قد يتوسل بذرائع دينية أو أيديولوجية أو قومية أو اثنية وما إلى ذلك.
التقرير الدولي وجد طريقه إلى النشر مع أوائل يوليو الماضي. ولدى استيعاب مضمونه وتحذيراته بدأت أوساط دولية شتى تهيئ نفسها لكي تتأهب لمواجهة ما تومئ إليه تلك التحذيرات الصادرة ـ لا عن ساسة طامعين في مواقع القمة من هرم المصالح - ولكن عن علماء واختصاصيين تتسم طروحاتهم بموضوعية البحث ورصانة التحليل ومصداقية النتائج.
ويزيد الأمر خطورة أن تبادر هذه المجموعة من علماء العالم إلى القول بأن السنوات العشر القادمة جديرة بأن تشهد نزوح ما يقارب 5 ملايين شخص من ديارهم الأصلية إلى مواقع أخرى بعد أن يتعرضوا لغوائل التصحر ـ والجفاف وشحة المياه.
وفيما يدعو التقرير العالمي إلى الكف عن اجتثاث الأشجار من غابات العالم وبساتينه تحقيقا لمصالح الاحتكارات الدولية الكبرى في صناعات الأخشاب، أو بهدف التوسع في المستوطنات السكانية على حساب هذا الغطاء النباتي الذي قصدت به عبقرية الخلق أن يشكل معملا كونيا لإنتاج الأوكسجين اللازم للحياة.
فقد تدارس التقرير الدولي أيضا أهم أسباب هذا العدوان البشري على موارد العالم من المياه، اللازمة بدورها لاستمرار الحياة، وفي مقدمة أساليب ومظاهر هذا العدوان، سلوكيات الإفراط في استغلال المراعي الطبيعية ـ «الري الجائر».
كما يسميه المصطلح الفني وهو ما يؤدي بدوره إلى تحويل الغطاء النباتي الأخضر إلى مساحات جرداء من التربة القاحلة، هذا فضلا عما يصفه التقرير بأنه أساليب الري غير المستدام وهو ري الإهدار والاستخدام غير الرشيد لموارد المياه وخاصة في المجتمعات التي ما زالت تتبع الأساليب التقليدية التي تجاوزها الزمن في الزراعة وسقاية المزروعات والمحاصيل.
ولما كانت الزراعة تستأثر بنسبة 70 في المئة من استخدامات المياه العذبة في العالم، فإن هذا العالم، وليس غيره، مدعو إلى حشد ما يسعه من استثمارات مادية وموارد بشرية وإمكانات في مجالات العلم والتكنولوجيا من أجل إحداث «ثورة» بكل معاني هذه الكلمة في أساليب الزراعة واستخدامات الأراضي، وبهدف ترشيد، ومن ثم تقليل، استخدام هذه النسبة الهائلة من الموارد الثمينة من المياه العذبة لصالح صون مصادرها وإعادة تدوير استخداماتها.
وهو ما اصطلح عليه أهل الاختصاص بأنه «حوكمة المياه» وبمعنى حسن إدارة الموارد المائية، أولا على الصعيد الكوكبي (العالمي ـ الغلوبالي إن شئت) ومن ثم على صعيد الميكرو ـ إدارة كما يسمونها وهو مستوى الأقطار والأقاليم والبلدان والمقاطعات والمحليات إلى مستوى أصغر وحدات السكان وهي الأسرة المعيشية كما نعرفها.
ويكفي لكي نصور مدى أهمية ـ إن لم تكن خطورة - عملية الترشيد المائي هذه أن نراجع في حدود المساحة المحدودة لسطورنا بعض الإحصاءات الموثوقة دوليا ومنها ما يلي: 3 في المئة فقط من الموارد المائية في العالم مياه عذبة ومن ثم فهي الصالحة دون غيرها للاستخدام البشري والاستخدامات الزراعية وما إليها.
1. 1 مليار إنسان في العالم ما زالوا يفتقرون إلى كميات المياه اللازمة للاستخدام، كما أن 6. 2 مليار إنسان أيضا في عالمنا محرومون من مرافق الصرف الصحي الكافية واللائمة، ومن سكان عالمنا ـ وخاصة النساء والأطفال من يضطرون إلى قضاء وقت طويل يبلغ أحيانا 6 ساعات يوميا من أجل الحصول على إمدادات المياه العذبة الصالحة للاستخدام الآدمي.
هناك من الأسر من ينفق 25 في المئة من الدخل العائلي لشراء المياه اللازمة ولتغطية نفقات حملها أو نقلها أو توصيلها إلى مقار المعيشة. نصف حالات الاختلال التي تصيب صحة البشر يحدث بسبب أمراض مرتبطة بسوء نوعية المياه التي يستخدمونها. 6 آلاف طفل دون الخامسة يموتون يوميا في العالم بسبب النقص في إمدادات المياه النظيفة الصالحة وسوء المرافق الصحية المصابة بآفات التلوث.
من هنا لم تعد دعوة الصون والحفظ في مجال الموارد المائية مجرد نصيحة يتم إزجاؤها بقدر ما أصبحت ضرورة حالّة (بتشديد اللام) بل ضرورة حيوية وخاصة في المنطقة التي يسكنها قومنا العرب من رقعة كرة الأرض، حيث تفيد إحصاءات لها مصداقيتها أيضا بأن هذه المنطقة ـ الشرق الأوسط ـ من أقل مناطق العالم تمتعا بموارد المياه الغزيرة والموثوقة من أجل التعويل عليها وخاصة في ضوء ما تشهده المنطقة ـ وهذا حقها الطبيعي والإنساني ـ من زيادة في السكان وفي الطموحات ومن توسعات في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية على السواء.
من هنا أيضا، وينبغي التشديد على ما نصفه بأنه «الأخلاقيات المائية» وهي مدونات قواعد السلوك في التعامل مع المورد المائي، وإذا كان من حظ الثقافة الإسلامية ـ العربية أن ارتفع بين راياتها الشعار الرشيد الذي يجسده الحديث الشريف الذي يوصي البشر بأن يقتصدوا في الوضوء حتى ولو كان مصدر المياه هو النهر الجاري ـ فقد بات المطلوب في زماننا هو المبادرة إلى خطط ناجعة لترجمة هذا الشعار من حيث الاقتصاد المائي إلى سلوكيات وإجراءات في أرض الواقع.
حيث تبدأ بتشكيل ذهنية ومواقف الفرد على مدار مراحل العمر إزاء التعامل مع الماء وتلك مهمة النظام التعليمي والتربوي بالدرجة الأولى، مدعما بشبكة من إجراءات التوعية الإعلامية الموصولة لكي تشكل بنية معرفية وسلوكية متكاملة ومستدامة من سلوكيات هذا التعامل الذي يرى في الماء عنصرا من أثمن ما يكون لاستمرار الحياة.
وعلى أن تزود ينتهي هذه الخطط بإجراءات عملية تختص بها دوائر وأجهزة وآليات الحكم عبر مستوياتها ومسؤولياتها المختلفة: ابتداء من مشاركة المواطن العادي في فهم مصادر مياهنا وإمكاناتها ومناسيب تدفقها وتكاليف توفيرها وتنقيتها وتوصيلها وصرف الكميات العادمة ـ (المستخدمة) منها وليس انتهاء بمعاودة النظر في تجهيزات المغاسل والحمامات وما في حكمها من مرافق استخدام المياه بما يكفل عنصر التنظيم إلى حد التنقيط كما قد نسميه في هذا الاستخدام. وإلى حد الضّن بالنقطة المائية عن أن يصار إلى إهدارها بسبب الكسل في السلوك أو الإهمال في إصلاح صنابير التوصيل أو شبكات التصريف.
إن مشاركة المواطن العادي، والمواطنة العادية هو الكفيل بنجاعة الإجراءات المنشودة، فهذا المواطن ـ أو المواطنة ـ هو صاحب المصلحة الأساسي في صون الموارد المائية للوطن الذي يعيش فيه وينتمي إليه، وقد سبقت أقطار شتى.
ومنها ما لا يزال يحظى بموارد غزيرة من الموارد المائية (الولايات المتحدة وكندا على سبيل المثال) إلى وضع تشريعات ولوائح منها ما يشجع على الإفادة من جهود المتطوعين ـ وخاصة المتقاعدين وكبار السن ـ في مجال عدم إهدار الموارد المائية حيث تصدر قوانين قومية أو محلية بحظر استخدام المياه مثلا في غسيل السيارات أو في غمر الحدائق المنزلية الخاصة أو الملاعب والساحات الخضراء العامة ولا سيما في مواسم أو دورات الجفاف التي عادة ما تحل في فصل الصيف.
ويمنح هؤلاء المتطوعون أزياء وشارات خاصة إلى جانب بعض الامتيازات في المواصلات العامة أو مؤسسات الترفيه وما في حكمها لقاء جهودهم في السهر على إنفاذ مثل هذا القوانين ـ كل ذلك في إطار مبدأ إعلامي يطبق عن كل مستوى محلي أو إقليمي ويقضي بإفادة المواطنين باستمرار بشأن ما بلغه منسوب المياه الصالحة في منطقتهم ـ زيادة كان أو نقصانا - فضلا عن تعدد المواقع الالكترونية على شبكة الحواسيب المحلية التي تزود المواطن المهتم بأي معلومات يحتاجها في هذا المضمار.
التجارب عديدة، وجميعها متاحة في مجالي التنظير والتطبيق، ومهما اختلفت أنساق الثقافات وهياكل الأوضاع عبر اختلاف الأقطار والشعوب فالمشكلة واحدة والهدف سيظل مشتركا ومحور القضية كلها هو: إن قطرة الماء العذب هي نعمة ثمينة من لدن السماء. والحفاظ عليها واجب تمليه المصلحة ويحث عليه الضمير وتفرضه ضرورات المستقبل.
كاتب مصري